مقدمة: في الدول الهشة وما بعد النزاعات، تمثل الهوية مصدر قوة. فمعرفة من هو المواطن قانونياً، ومن يمكن حصره والتحقق منه، تحدد قدرة الدولة على الحكم، وبسط الأمن، وبناء الثقة مع المجتمع. وفي الصومال، أدى انهيار الدولة لعقود إلى غياب نظام وطني شامل للتسجيل المدني والإحصاءات الحيوية، ما خلّف آثاراً تتجاوز الجانب الإداري بكثير.
دراسة «دور السجل المدني في تعزيز الأمن القومي والاستقرار في الصومال» تضع التسجيل المدني عند تقاطع الأمن والحكم وبناء الدولة، وتتعامل معه كأداة استراتيجية لاستعادة السلطة، ومنع الهشاشة الأمنية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وليس كإجراء بيروقراطي محدود.
أزمة السجل المدني: من انهيار الدولة إلى فراغ أمني
انهار نظام السجل المدني فعلياً مع تفكك الدولة المركزية مطلع التسعينيات، لتنشأ منظومة مجزأة تتولاها إدارات محلية وجهات غير حكومية دون تنسيق وطني. وتشير الدراسة إلى أن هذا الواقع أفرز اختلالات حادة، أبرزها:
• غياب بيانات سكانية موثوقة
• ضعف التحقق من الهويات
• قصور استهداف الخدمات
• قابلية عالية للتزوير والاختراق
وقد استغلت جماعات مسلحة، مثل حركة الشباب، هذه الثغرات في التجنيد والتنقل والتخطيط، ما يجعل غياب التسجيل المدني عاملاً مفاقماً لانعدام الأمن، لا مسألة محايدة.
الإطار النظري: السجل المدني وبناء الدولة
تنطلق الدراسة من نظريات الحكم وبناء الدولة التي ترى أن فعالية الدولة تقوم على مؤسسات قادرة على المساءلة والاندماج وتقديم الخدمات. ويُعد السجل المدني من أكثر هذه المؤسسات بساطةً وأثراً في آنٍ واحد، إذ يوفر:
• اعترافاً قانونياً وهوية رسمية
• بيانات ديموغرافية للتخطيط
• أساساً لعلاقة المواطن بالدولة
وفي السياق الصومالي، يؤدي السجل المدني أيضاً وظيفة رمزية، باعتباره دليلاً على عودة الدولة كضامن للحقوق والنظام، وبالتالي لاستعادة الشرعية.
السجل المدني والأمن القومي: أدلة ميدانية
تعتمد الدراسة على مسوح شملت مسؤولين حكوميين وممثلي منظمات مجتمع مدني وقيادات مجتمعية، وأظهرت النتائج إجماعاً واسعاً على الأهمية الأمنية للسجل المدني:
• 90% يرون أنه يحد من التزوير
• 85% يؤكدون دوره في تعزيز التحقق من الهوية
• 78% يربطونه مباشرة بتحسين الحوكمة
وتخلص الدراسة إلى أن العمليات الأمنية دون نظام هوية فعّال تظل محدودة التأثير، وغالباً ما تكون ردّ فعل لا إجراءً وقائياً.
الاستقرار يتجاوز الأمن: الإدماج الاجتماعي والخدمات
لا تقتصر آثار السجل المدني على الأمن، بل تمتد إلى الاستقرار المجتمعي عبر تمكين المواطنين من الوصول إلى الصحة والتعليم والخدمات المالية والحماية الاجتماعية. وقد أشار المشاركون إلى فوائد مباشرة، منها:
• تحسين المؤشرات الصحية (82%)




