الصومال (بوابة إفريقيا) 9 يونيو 2026 – على مدى أكثر من عقدين، اعتمد الصومال بصورة متزايدة على الدولار الأمريكي، في حين فقد الشلن الصومالي تدريجياً العديد من الوظائف الأساسية المتوقعة من أي عملة وطنية. ويبرز اليوم سؤال مهم: ما الذي دفع الناس إلى التخلي عن عملة البلاد؟ وهل يمكن إحياؤها من جديد؟نوقشت هذه القضايا وغيرها في بودكاست “إرمان”، الذي استضاف الخبير الاقتصادي عباس عمر محمد، الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، والذي يشغل حالياً منصب مدير مركز البحوث في جامعة مقديشو.وبحسب الدكتور عباس، فإن أي عملة يُفترض أن تؤدي ثلاث وظائف أساسية:1. أن تكون مقياساً للقيمة بالنسبة للسلع والخدمات، كما هو الحال عند شراء منزل.2. أن تسهّل تبادل السلع والخدمات في الأنشطة الاقتصادية اليومية.3. أن تكون مخزناً للقيمة.ويرى أن الشلن الصومالي، عند قياسه وفق هذه المعايير الثلاثة، فقد معظم وظائفه التقليدية.وقال: “الشخص الذي يرغب في شراء منزل أو مركبة أو تقييم مشروع تجاري يفكر عادة بالدولار. وبالمثل، لا يثق الناس في أن الشلن الصومالي سيحافظ على قيمته بمرور الوقت.”وأوضح الدكتور عباس أن الشلن الصومالي كان عملة قوية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل ثمانينياته. وخلال تلك الفترة، كان الدولار الأمريكي الواحد يُصرف مقابل نحو ستة إلى سبعة شلنات صومالية.إلا أن الأوضاع تغيرت بصورة كبيرة في منتصف الثمانينيات. فقد أسهمت الديون المتزايدة، والنزاعات المسلحة، والتراجع الاقتصادي، وتحرير ضوابط أسعار الصرف، في انخفاض حاد لقيمة العملة. وبعد انهيار الحكومة المركزية، ازداد الوضع سوءاً بشكل كبير.وقال موضحاً: “العملة تحتاج إلى جهة إصدار واحدة تحظى بالثقة. الصومال فقد ذلك. وبدأت جهات مختلفة بطباعة الأموال دون رقابة أو ضوابط.”ورغم أن كثيراً من الناس يشعرون بالقلق إزاء اعتماد الصومال على الدولار الأمريكي، أشار الدكتور عباس إلى أن ظاهرة «الدولرة» جلبت أيضاً قدراً من الاستقرار في عدة مجالات.فقد استفادت التجارة واسعة النطاق، وآليات التسعير، وحتى السيطرة على التضخم، من استخدام عملة دولية مستقرة.وقال: “أصبح الدولار حلاً فرضته الظروف. ولم يكن نتيجة سياسة حكومية رسمية، بل كان استجابة من المجتمع لانهيار الثقة في الشلن الصومالي.”وفي حين سهّل الدولار التجارة والأعمال، فقد تأثرت الفئات ذات الدخل المنخفض بصورة أكبر.فالأشخاص الذين تُدفع أجورهم بالشلن الصومالي أو يعتمدون على أجور يومية بسيطة لا يملكون دائماً سهولة الوصول إلى الدولار. ونتيجة لذلك، يكونون غالباً أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية مقارنة بمن يتلقون دخولهم بشكل منتظم بالدولار.ويُعد الصومال اليوم واحداً من أكثر دول العالم استخداماً لخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول.وأشار الدكتور عباس إلى أن الأموال عبر الهاتف المحمول سهّلت المعاملات التجارية، وتحويل الأموال، والنشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء البلاد. لكنها في الوقت نفسه عززت الاعتماد على الدولار الأمريكي.وقال: “لو لم تكن خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول موجودة، لربما عاد كثير من الناس إلى استخدام الشلن الصومالي. لقد جعلت التكنولوجيا من الأسهل على المجتمع أن يواصل العمل باستخدام الدولار.”وشدد الدكتور عباس على أن استعادة الشلن الصومالي تتجاوز بكثير مجرد طباعة أوراق نقدية جديدة.وبحسب رأيه، فإن الصومال بحاجة إلى:• الاستقرار السياسي والثقة.• لوائح وتنظيمات مالية قوية.• بنك مركزي كفؤ ومستقل.• توافق وطني بشأن إدارة السياسة النقدية.• بنية تحتية مالية حديثة.وقال: “إن طباعة عملة جديدة ليست سوى جزء صغير من العملية. العامل الأكثر أهمية هو ثقة الجمهور.”وعند سؤاله عما إذا كان الشلن الصومالي قادراً على استعادة مكانته، قال الدكتور عباس إن إعادة العمل به أمر ممكن، ولكن ليس في المستقبل القريب.ويرى أن الصومال يستطيع في نهاية المطاف استعادة عملة وطنية فعّالة، لكن ذلك سيتطلب تخطيطاً طويل الأمد، ومؤسسات قوية، وحكومة قادرة على إدارة النظام النقدي بكفاءة.واختتم قائلاً: “الدولار يلبي حالياً حاجة حقيقية. لكن ذلك لا يعني أنه سيظل العملة المهيمنة في الصومال إلى الأبد. ففي يوم من الأيام، يمكن للشلن الصومالي أن يعود إذا أُعيد بناء الثقة التي فقدها.”إن التحديات التي يواجهها الشلن الصومالي لم تظهر بين عشية وضحاها، كما أنها لن تُحل بين عشية وضحاها. فقد أسهم انهيار مؤسسات الدولة، وطباعة العملة دون ضوابط، وفقدان ثقة الجمهور، جميعها في تراجع العملة.ويرى الدكتور عباس أنه مع كل ذلك، يمتلك الصومال فرصة لبناء نظام مالي حديث من خلال الاستفادة من نجاح خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، وتعزيز المؤسسات المصرفية، وتنفيذ إصلاحات إقتصادية أوسع نطاقا.