الصومال (بوابة إفريقيا) 29 يوليو 2026– قد لا يكون تحصيل الضرائب أكثر وظائف الحكومة إثارة للاهتمام، لكنه من أكثرها كشفًا لحقيقة الدولة. فحين تتمكن الحكومة من تحصيل إيراداتها بكفاءة، فإنها تثبت وجودها كمؤسسة فاعلة، أما عندما تعجز عن ذلك، فإن الفراغ تملؤه أطراف أخرى؛ وسيط، أو جماعة مسلحة، أو موظف يملك سلطة تقديرية لا تخضع لرقابة.لسنوات طويلة، كان هذا هو الواقع عند المنافذ الحدودية في ولاية هيرشبيلي. كانت الشاحنات تصل محمّلة بالبضائع، ويخرج موظف يحمل دفتر إيصالات ورقية. وما يدفعه السائق لم يكن يعتمد دائمًا على تعرفة منشورة، بل على عاملين مجهولين: مدى معرفة السائق بالمبلغ الحقيقي المستحق، وما يقرره الموظف أن يكتبه في الإيصال. وبين هذين العاملين كانت أموال كثيرة لا تصل إلى خزينة الولاية.لم يكن ذلك استثناءً في «هيرشبيلي» أو حتى في الصومال، بل هو نمط شائع في البيئات التي تُدار فيها الضرائب بالتقدير الشخصي بدلاً من الأنظمة الإلكترونية. غير أن كلفته كانت أكبر على إدارة فتية تحاول إقناع المواطنين بجدوى الامتثال للنظام. فقد تحولت كل نقطة تحصيل إلى اختبار لشرعية الحكومة، وكانت النتيجة في كثير من الأحيان مخيبة للآمال.نظام رقمي جديد لتحصيل الضرائببدأ هذا الواقع يتغير مع إطلاق نظام SUMER، وهو اختصار لـ Solution for Unified Management of Electronic Revenue، أو “الحل الموحد لإدارة الإيرادات الإلكترونية”. وقد طورته شركة Tabaarak ICT في مقديشو، ويعتمد على أجهزة نقاط بيع محمولة شبيهة بالأجهزة المستخدمة في المتاجر، لكنها مهيأة للعمل في نقاط التحصيل الحكومية.ورغم أن المشروع يبدو بسيطًا من الناحية التقنية، فإنه يستهدف جوهر المشكلة: إزالة العنصر البشري من لحظة تحديد الضريبة واستلامها.أين كانت المشكلة؟لم تكن الثغرة الوحيدة تتمثل في التفاوض بين السائق والموظف.ففي النظام القديم، لم يكن معظم السائقين يعرفون قيمة الرسوم المفروضة على بضائعهم إلا بعد وصولهم إلى نقطة التفتيش، ما فتح الباب للمساومة وتخفيض الرسوم مقابل مبالغ غير مسجلة، وهو ما أدى إلى فقدان جزء كبير من الإيرادات قبل أن تدخل السجلات الحكومية.كما أن الاعتماد على الإيصالات الورقية خلق مشكلات إضافية، إذ كانت هذه الإيصالات تُطبع بتكاليف مالية، ويمكن فقدانها أو تزويرها أو عدم مطابقتها للمبالغ المحصلة. والأسوأ أن المدفوعات كانت تمر أحيانًا عبر وسطاء من القطاع الخاص قبل وصولها إلى الحكومة، الأمر الذي جعل من الصعب على وزارة المالية معرفة الإيرادات الحقيقية.أما عملية المطابقة المالية فكانت تستغرق وقتًا طويلًا، إذ تُنقل الإيصالات لمسافات قد تصل إلى 90 كيلومترًا أو تُرسل ممسوحة ضوئيًا، ثم تُدخل يدويًا في النظام المالي الحكومي، وهي خطوات كثيرة تزيد احتمالات الخطأ والتأخير.ويقول وزير مالية ولاية هيرشبيلي، عبد الرحيم عيسى عدو: “كانت عملية المطابقة تستغرق ما بين 30 و45 يومًا، وحتى بعد ذلك لم نكن متأكدين من اكتمال الأرقام. كنا ندير تقديرات، لا سجلات دقيقة.”ويعني ذلك أن الحكومة كانت تدخل في مفاوضاتها مع المانحين والدائنين وحتى الجهات الأمنية وهي لا تعرف بدقة حجم مواردها الحقيقية.ثلاث مراحل لتطوير النظاممر نظام الإيرادات في هيرشبيلي بثلاث مراحل رئيسية.في المرحلة الأولى، كانت الرسوم تُحصّل نقدًا بالشلن الصومالي، ثم تُحتفظ بها في الخزينة لمدة تصل إلى 48 ساعة قبل تحويلها إلى الدولار وإيداعها في الحساب الحكومي، وهي عملية صاحبتها مخاطر أمنية وأخطاء محاسبية وتأخير مستمر.أما المرحلة الثانية، فاعتمدت على تجار خدمات الأموال عبر الهاتف مثل EVC Plus، حيث يدفع المواطن إلى التاجر ويحصل على إيصال، ثم يحتفظ التاجر بالأموال لمدة تصل إلى 48 ساعة قبل تحويلها للحكومة، وهو ما قلل استخدام النقد لكنه أبقى وسيطًا بين المواطن والدولة.أما المرحلة الثالثة، فهي نظام SUMER، الذي يربط المواطن مباشرة بالحساب الحكومي. إذ تظهر قيمة الرسوم فور تقديم الخدمة، وتُحوّل الأموال مباشرة إلى خزينة الدولة دون المرور بأي وسيط، مع تسجيل العملية إلكترونيًا وإجراء المطابقة المالية بشكل فوري.كيف يعمل النظام؟تُسجل جميع المركبات ضمن فئات محددة، لكل منها تعرفة معروفة يمكن تحديثها عند الحاجة.وعند وصول المركبة إلى نقطة التحصيل، يُدخل الموظف بياناتها، مثل نوع المركبة ومنشأ البضاعة والفئة الضريبية، ليقوم الجهاز تلقائيًا بحساب المبلغ المستحق وفق التعرفة المخزنة مسبقًا.ولا يملك الموظف صلاحية تعديل الرقم أو تغييره، إذ يظهر المبلغ مباشرة على شاشة الجهاز أمام السائق، لتختفي مساحة التفاوض التي كانت تشكل مصدرًا رئيسيًا للتلاعب.ويقول موظف الإيرادات محمد حاجي: “كنت أقضي وقتًا أطول في النقاش مع السائقين أكثر من أداء عملي. كانوا يعتقدون أنني أنا من أحدد الرسوم ويحاولون التفاوض. الآن الجهاز هو من يحدد القيمة، وهذا جعل عملي أسهل ويحمي الموظف لأنه لم يعد هناك ما يمكن التفاوض عليه.”ويتم السداد فورًا عبر وسائل الدفع الرقمية مثل المحافظ الإلكترونية، لتنتقل الأموال مباشرة إلى الحساب الحكومي، بينما يطبع الجهاز إيصالًا يحمل رمز QR يمكن التحقق منه، وتُرسل بيانات العملية إلى النظام المركزي لحظيًا.وبذلك لم تعد هناك حاجة لعمليات المطابقة اليومية، لأن السجل المالي يُنشأ إلكترونيًا منذ لحظة الدفع.ويقول سائق الشاحنات عبد القادر هرابي: “في السابق كنت أصل إلى نقطة التفتيش دون أن أعرف كم سأدفع، وكان الأمر يعتمد على الموظف الموجود. اليوم أرى الرسوم على الشاشة، أدفع من هاتفي، وأغادر بإيصال يحمل رمزًا يمكن التحقق منه. العملية أصبحت أسرع، وأعرف أن السائق التالي سيدفع المبلغ نفسه.”لماذا ينجح هذا النموذج في الصومال؟في معظم الدول يُعد هذا النوع من الأنظمة مجرد تحديث إداري، لكنه في الصومال يحمل أهمية أكبر. فبينما لا تتجاوز نسبة من يمتلكون حسابات مصرفية رسمية نحو 15% من السكان، يستخدم أكثر من 80% من البالغين خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، التي أصبحت النظام المالي الفعلي للبلاد منذ ا...