عاد القرن الإفريقي ليبرز مجددًا كمساحة بالغة الأهمية، ولكن تتم إدارتها بحذر، ضمن الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. ففي حين تضع استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 تركيزها الأساسي على حماية الأراضي الأمريكية وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإنها توضح في الوقت نفسه أن إفريقيا — ولا سيما القرن الإفريقي — تظل مهمة بقدر ما تتقاطع مع قضايا مكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة البحرية، والتنافس بين القوى الكبرى، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.
وبدلًا من مشاريع بناء الدولة الواسعة أو حملات نشر الديمقراطية، تعكس المقاربة الأمريكية الراهنة انتقائية استراتيجية واضحة: تقليص الانخراط العسكري المباشر، وتمكين الشركاء من تولي زمام المبادرة، والتدخل الحاسم فقط عندما تكون المصالح الأمريكية الجوهرية مهددة. ويحدد هذا الإطار موقف واشنطن من الصومال وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وإريتريا — وهي خمس دول يرتكز موقعها الجغرافي على البحر الأحمر وخليج عدن وغرب المحيط الهندي.
المنطق الاستراتيجي: لماذا لا يزال القرن الإفريقي مهمًا؟
تحكم ثلاثة اعتبارات استراتيجية رئيسية انخراط الولايات المتحدة في القرن الإفريقي.
أولها مكافحة الإرهاب. إذ تحدد استراتيجية الدفاع الوطني منع التنظيمات الإرهابية الإسلامية من استخدام الملاذات الآمنة الإقليمية لشن هجمات على الأراضي الأمريكية كهدف رئيسي لواشنطن في إفريقيا. وتبقى الصومال، باعتبارها مقر حركة الشباب، في صميم هذا القلق.
ثانيها أمن الملاحة البحرية. فالقرن الإفريقي يقع على أحد أهم ممرات التجارة العالمية، التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. وأي اضطرابات — سواء ناجمة عن الإرهاب أو القرصنة أو النزاعات الإقليمية — تحمل تداعيات اقتصادية عالمية، لا سيما في ظل سعي الولايات المتحدة لضمان حرية الملاحة وسط حالة عدم استقرار أوسع.
أما الاعتبار الثالث فهو التنافس بين القوى الكبرى. ورغم أن إفريقيا ليست الساحة الرئيسية للتنافس الأمريكي–الصيني، فإن الاستراتيجية تحذر من ترك أراضٍ أو نفوذ استراتيجي لمنافسين. ولذلك تخضع البصمات العسكرية والتجارية الصينية — ولا سيما في جيبوتي — لمراقبة دقيقة ضمن نهج يقوم على الاحتواء عبر الحرمان، لا المواجهة المباشرة.
الصومال: مكافحة الإرهاب دون بناء دولة
يحتل الصومال موقعًا خاصًا في الاستراتيجية الأمريكية. فلا تزال واشنطن تنظر إلى حركة الشباب باعتبارها واحدة من قلة من الجماعات الإفريقية التي تمتلك النية والقدرة المحتملة على تهديد المصالح الأمريكية بشكل مباشر. ونتيجة لذلك، يظل الصومال الساحة الأساسية للعمليات الأمريكية الحركية في مكافحة الإرهاب داخل القرن الإفريقي.
ومع ذلك، توضح استراتيجية الدفاع الوطني أن هذا الانخراط محدود ومستدام من حيث الموارد. فالولايات المتحدة مستعدة لتنفيذ ضربات مباشرة ضد أهداف إرهابية عالية القيمة، لكنها تتوقع من القوات الصومالية والشركاء الإقليميين تحمل العبء الأكبر من مسؤوليات الاستقرار والأمن. ويعكس ذلك تحولًا أوسع بعيدًا عن المهمات العسكرية المفتوحة نحو تدخلات متقطعة قائمة على الاستخبارات.
سياسيًا، تدعم واشنطن المؤسسات الفيدرالية الصومالية، لكنها تتعامل مع إصلاح الحوكمة والمصالحة باعتبارهما مسارين يقودهما الصوماليون أنفسهم، لا مشاريع تديرها الولايات المتحدة. ويتركز الهدف على منع الانهيار، لا هندسة تحول شامل.
إثيوبيا: الاستقرار أولًا، ثم الاصطفاف
تنظر الولايات المتحدة إلى إثيوبيا بدرجة أقل من زاوية مكافحة الإرهاب، وبدرجة أكبر باعتبارها دولة ارتكاز إقليمية يؤثر استقرارها في كامل القرن الإفريقي. وبعد حرب تيغراي والتوترات الداخلية اللاحقة، ركزت السياسة الأمريكية تجاه أديس أبابا على خفض التصعيد، والحفاظ على تماسك الدولة، وتجنب اندلاع صراع واسع النطاق من جديد.
ولا تضع استراتيجية الدفاع الوطني إثيوبيا في موقع الحليف الأمني الرسمي، ولا تعطي أولوية للتكامل العسكري العميق. وبدلًا من ذلك، تعتمد واشنطن مقاربة براغماتية: فإثيوبيا المستقرة تسهم في التوازن الإقليمي، وتحد من تدفقات اللاجئين، وتقلص فرص استغلال الجماعات المتطرفة أو القوى المنافسة للوضع القائم. وفي الوقت نفسه، يظل صانعو القرار الأمريكيون حذرين من توسع شراكات إثيوبيا مع أطراف غير غربية، ولا سيما الصين.
وبما ينسجم مع تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، يُتوقع من إثيوبيا إدارة تحدياتها الأمنية بنفسها دون دعم عسكري أمريكي واسع، مع احتفاظ واشنطن بأدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي بدل الالتزامات الصلبة بالقوة.
جيبوتي: أرض استراتيجية وتنافس مُدار
تُعد جيبوتي، على الأرجح، أكثر المواقع الاستراتيجية قيمة في القرن الإفريقي. فهي تستضيف القاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في إفريقيا — معسكر ليمونييه — ما يجعلها عنصرًا لا غنى عنه للعمليات الأمريكية الممتدة عبر شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي.

