في مقال مطوّل نشرته مجلة Foreign Affairs الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، يقدّم جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق وأستاذ ممارسة فن الحكم والنظام الدولي في جامعة هارفارد، بالاشتراك مع تال فيلدمان، الباحث في شؤون الذكاء الاصطناعي ومرشح الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة ييل، إطارًا استراتيجيًا جديدًا لفهم الجغرافيا السياسية في عصر الذكاء الاصطناعي. لا يسعى المقال إلى التنبؤ بمسار واحد للتكنولوجيا، بل يركّز على كيفية بناء سياسات قادرة على الصمود أمام تعدد السيناريوهات وعدم اليقين الذي يحيط بمستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على ميزان القوى العالمي
ما المشكلة؟ خطورة بناء السياسات على افتراض واحد#
ينطلق الكاتبان من ملاحظة أساسية: معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي تقوم على افتراضات غير معلنة. هناك من يعتقد أن العالم يتجه سريعًا نحو «ذكاء فائق» يتجاوز القدرات البشرية ويقود إلى تحولات تاريخية غير مسبوقة، بينما يرى آخرون أن التقدم سيكون «محدودًا ومتعرجًا»؛ أي قويًا في مجالات محددة لكنه بعيد عن إحداث قطيعة كاملة مع الماضي.
في المقابل، يختلف الخبراء حول ما إذا كانت الاختراقات التكنولوجية ستبقى حكرًا على الدول المتقدمة أم ستنتشر بسرعة عبر التقليد والتجسس وتسريب النماذج. كما يدور جدل واسع حول نوايا الصين: هل تسابق الولايات المتحدة فعليًا على خط الذكاء الاصطناعي المتقدم، أم تركز على نشر وتطبيق التقنيات القائمة بانتظار تقليد الابتكارات الأميركية لاحقًا؟
يحذّر سوليفان وفيلدمان من أن بناء استراتيجية وطنية على قصة واحدة فقط هو رهان محفوف بالمخاطر. فإذا كانت الافتراضات خاطئة، قد تنتهي السياسات إلى إهدار الموارد أو فقدان التفوق الاستراتيجي. لذلك، لا تحتاج واشنطن – برأي الكاتبين – إلى مزيد من التنبؤات، بل إلى طريقة منهجية لاتخاذ القرار في ظل الغموض.
كيف يعرّف الكاتبان «النجاح» في عصر الذكاء الاصطناعي؟#
قبل الدخول في السيناريوهات، يحددان الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة: استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن القومي، وتحقيق ازدهار اقتصادي واسع القاعدة، وترسيخ القيم الديمقراطية داخليًا وبين الحلفاء.
عندما يُدار الذكاء الاصطناعي بما يخدم المصلحة العامة، يمكنه دفع التقدم العلمي، والمساهمة في مواجهة تحديات كبرى مثل الصحة العامة وتغير المناخ، وتعزيز التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي الأميركي مقارنة بالصين. لكن في الوقت نفسه، لا بد من إدارة المخاطر الحقيقية المرتبطة بسوء الاستخدام، أو التصعيد غير المقصود، أو فقدان السيطرة البشرية.
«العوالم الثمانية»: إطار للتفكير بدل التنبؤ#
يقترح سوليفان وفيلدمان إطارًا تحليليًا مبسطًا لكنه بالغ الأهمية لفهم الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي، يقوم على ثلاثة أسئلة محورية تحدد شكل المستقبل المحتمل. السؤال الأول يتعلق بطبيعة تطور الذكاء الاصطناعي: هل سيتسارع التقدم ليصل إلى مرحلة «الذكاء الفائق» القادر على التفوق على البشر وتحسين نفسه ذاتيًا، أم أن التقدم سيبقى محدودًا ومتعرجًا، محققًا إنجازات كبيرة في مجالات معينة دون أن يشكّل قطيعة تاريخية شاملة؟
أما السؤال الثاني فيتعلق بسهولة اللحاق بالركب: هل ستكون الاختراقات التكنولوجية قابلة للتقليد السريع عبر التجسس أو تسريب النماذج أو التدريب البديل، أم أن الوصول إلى القدرات المتقدمة سيظل صعبًا ومكلفًا بسبب تعقيد المنظومة الكاملة التي تشمل الرقائق المتقدمة، والبنية التحتية، والطاقة، والبيانات، والمواهب البشرية؟
السؤال الثالث يركز على سلوك الصين الاستراتيجي: هل تخوض بكين سباقًا مباشرًا ومكثفًا نحو خط الذكاء الاصطناعي المتقدم، أم أنها تفضّل التركيز على التطبيق والانتشار، مع افتراض إمكانية تقليد الابتكارات الأميركية لاحقًا؟
من خلال الجمع بين الإجابات المحتملة على هذه الأسئلة الثلاثة، يتشكل نموذج ثلاثي الأبعاد ينتج ثمانية سيناريوهات أو «عوالم» مختلفة. لا يفترض هذا الإطار أن أيًّا من هذه العوالم سيحدث بحرفيته، بل يهدف إلى إجبار صانعي القرار على كشف افتراضاتهم المسبقة، واختبار السياسات المقترحة في مواجهة مسارات متعددة بدل بناء الاستراتيجية على تصور واحد قد يثبت خطؤه لاحقًا.
من يملك القوة في عصر الذكاء الاصطناعي؟#
ينتقل المقال إلى سؤال عملي: من يصنع سياسة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؟ رغم أن الحكومة لا تملك المختبرات الكبرى، فإن قراراتها تؤثر بقوة في المنظومة عبر أدوات غير مباشرة.
قيود تصدير الرقائق، وتقييد الاستثمارات الصينية، وسياسات الهجرة، والإنفاق على البحث العلمي، والمشتريات الحكومية، كلها تشكّل «دعمًا ضمنيًا» للصناعة الأميركية. كما أن إشارات المسؤولين حول أولوية الذكاء الاصطناعي تؤثر في قرارات المستثمرين أكثر من التمويل المباشر أحيانًا.
لكن التوتر قائم بين المصلحة الوطنية وحوافز القطاع الخاص. فشركات كثيرة تراهن على الذكاء الفائق، وقد تفضّل بناء بنية تحتية خارج الولايات المتحدة بحثًا عن طاقة أرخص أو تنظيمات أقل صرامة. إدارة هذا التناقض تمثل تحديًا دائمًا لواشنطن.
مصادر القوة الدائمة في عصر الذكاء الاصطناعي#
عبر معظم السيناريوهات المحتملة لمستقبل الذكاء الاصطناعي، تتكرر مجموعة من مصادر القوة الأساسية التي تشكّل عماد التفوق الاستراتيجي. تظل القدرة الحاسوبية، بما تشمل الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها، حجر الأساس لأي تقدم حقيقي في هذا المجال؛ فحتى أكثر النماذج تطورًا تفقد فعاليتها في غياب إمدادات كهرباء كافية ومستقرة. ومن خلال الروبوتات والتصنيع المتقدم، يمتد الذكاء الرقمي إلى العالم المادي، حيث تتحول الأفضلية البرمجية إلى قدرة صناعية وإنتاجية ملموسة. وفي الوقت نفسه، تشكّل المواهب البشرية والبحث العلمي الأساسي قاعدة القيادة طويلة الأمد، بينما توفر إدارة المخاطر عنصر الاستقرار والشرعية عبر الحد من الحوادث وسوء الاستخدام ومنع التصعيد غير المنضبط.

