يمثل وصول سفينة الحفر “جغري باي” إلى مقديشو لحظة تاريخية ذات تداعيات كبيرة. بالنسبة للصومال، يشير ذلك إلى بداية فصل جديد في تطوير موارد الطاقة البحرية. أما بالنسبة لتركيا، فهو خطوة مهمة نحو توسيع طموحاتها في مجال الطاقة خارج حدودها.
تَحمل هذه اللحظة في طياتها فرصًا ومخاطر في آن واحد. فإذا أُديرت برؤية استراتيجية، يمكن أن تؤسس لشراكة متوازنة وتنمية اقتصادية مستدامة. أما إذا أُسيء التعامل معها، فقد تؤدي إلى ترسيخ الاختلالات، وتقويض الشرعية، وإضعاف الثقة العامة.
الفرصة يجب أن تستند إلى الشرعية
لا شك أن استكشاف الموارد يمثل فرصة استراتيجية للصومال، يمكن أن تدعم التعافي الاقتصادي، وتوسع الحيز المالي، وتفتح آفاقًا للتنمية طويلة الأمد. لكن الفرصة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون قائمة على الشرعية.
الإطار الدستوري والقانوني في الصومال واضح: الاتفاقيات المتعلقة بالموارد الطبيعية يجب أن تكون شفافة، شاملة، وخاضعة لموافقة البرلمان. وهذه ليست مجرد إجراءات شكلية، بل ضمانات أساسية تكفل الملكية الوطنية، وتحمي السيادة، وتمنع النزاعات المستقبلية.
وأي عملية تتجاوز هذه المبادئ تُضعف الاتفاق ذاته، كما تُقوّض الإطار المؤسسي اللازم لاستمراريته.
مخاوف بشأن التوازن والدستورية
يثير الاتفاق النفطي بين الصومال وتركيا مخاوف جدية ومبررة بشأن توازنه وعدالته. وفي شكله الحالي، يبدو أنه يميل الى تركيابطريقة قد تضر بالمصلحة الوطنية للصومال على المدى الطويل. ومن أبرز نقاط القلق:
• توزيع غير متكافئ للعائدات الاقتصادية
• بنود مفتوحة لاسترداد التكاليف قد تؤخر تحقيق فوائد وطنية ملموسة
• غموض في الضرائب وإدارة العائدات وآليات إعادة الاستثمار
• غياب التزامات واضحة بتشغيل العمالة المحلية وتعزيز المشاركة الاقتصادية الوطنية
• آليات تسوية نزاعات لا تعكس توازنًا عادلاً أو حيادًا كافيًا
وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى إطار يحتاج إلى مراجعة دقيقة لضمان توافقه مع مبادئ العدالة والشفافية والمنفعة المتبادلة.
ولا يقل إثارة للقلق عن ذلك الطريقة التي أُبرم بها الاتفاق، إذ تم دون شفافية كاملة، ودون مشاورات شاملة مع الولايات، ومن دون الحصول على الموافقة الدستورية من مجلسي البرلمان.
مخاطر السياق المؤسسي الضعيف
تتفاقم هذه المخاوف في ظل الواقع المؤسسي الحالي في الصومال:
• هياكل حكم هشة
• استقلال قضائي محدود
• انتشار الفساد وشبكات المحسوبية
• بيئة سياسية تتسم أحيانًا بمنطق “الفائز يحصد كل شيء”
وفي مثل هذا السياق، فإن الاتفاقيات التي تُنظر إليها على أنها غير شفافة أو غير متوازنة قد تتحول إلى مصدر نزاع بدلًا من أن تكون محركًا للتنمية.
وتُظهر التجارب المقارنة نمطًا واضحًا: الاتفاقيات التي تفتقر إلى الشفافية والشمول والأساس القانوني تميل إلى تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها.
رسالة إلى الحكومة التركية
خلال العقد الماضي، بنت تركيا حضورًا قويًا في الصومال عبر العمل الإنساني، والاستثمار في البنية التحتية، والتعاون العسكري والدبلوماسي. وقد خلق ذلك رصيدًا كبيرًا من الثقة، وهو رصيد ذو قيمة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليه.
غير أن الشراكات المستدامة لا تُبنى على ترتيبات يُنظر إليها على أنها غير عادلة، ولا على عمليات تُفضّل الأفراد على المؤسسات. بل تتطلب توافقًا مع النظام الدستوري والمصلحة العامة للشعب الصومالي.
وبالنسبة لتركيا، فإن المسار الاستراتيجي واضح:
• الالتزام باتفاقيات شفافة وقانونية




