تدخل الصومال لحظة سياسية خطيرة وغير مسبوقة. فللمرة الأولى منذ أن بدأت البلاد إعادة بناء مؤسساتها بعد عقود من الانهيار، تواجه الآن احتمال العمل في ظل إطارين دستوريين متنافسين: أحدهما تدفع به الحكومة الفيدرالية عبر التعديلات الدستورية الأخيرة، والآخر يتمسك به ائتلاف من قادة المعارضة وولايتين فيدراليتين، وهو دستور 2012 المؤقت.
هذه ليست مجرد خلافات قانونية. فعندما تظهر مطالب دستورية متنافسة، تتجاوز التداعيات حدود النقاش المؤسسي. إذ تصبح السلطة محل نزاع، وتتآكل الشرعية السياسية تدريجياً، وقد تنتقل الخلافات التي تبدأ في المجال السياسي إلى المجال الأمني. وبالنسبة لدولة ذات مؤسسات هشة وتاريخ حديث من الانهيارات السياسية، فإن مثل هذا الغموض يحمل مخاطر جدية وبعيدة المدى.
لقد واجهت التعديلات الدستورية المتنازع عليها، والتي أقرها البرلمان في الرابع من أبريل 2026 خلال جلسة يقال إنها لم تستوف النصاب القانوني المطلوب، رفضاً واسعاً عبر المشهد السياسي الصومالي. فقد أعلنت ولايتا بونتلاند وجوبالاند الفيدراليتان رسمياً رفضهما الاعتراف بنتيجة تلك الجلسة. كما عبّر قادة في المعارضة، بينهم رؤساء سابقون للدولة والحكومة وعدد من الشخصيات السياسية الوطنية البارزة، عن اعتراضات قوية على كل من الإجراءات التي اعتمدت لتمرير التعديلات ومضمونها.
ولا يقتصر هذا الرفض على كونه خلافاً حزبياً. بل يعكس مخاوف أعمق تتعلق بالإجراءات الدستورية والشرعية السياسية والاستقرار طويل المدى للدولة الصومالية.
عندما ينهار المسار الدستوري
إن صياغة الدساتير ليست عملية محايدة سياسياً. فهي تتشكل بفعل القيود المؤسسية وتضارب المصالح والآليات التي تُتخذ عبرها القرارات الجماعية. وعندما تُحترم الإجراءات ويكون التصديق على التعديلات ذا مصداقية، يمكن للإصلاح الدستوري أن يعكس نقاشاً متأنياً وتسوية وطنية واسعة. أما عندما يتم تجاوز تلك الضمانات، فإن التغيير الدستوري قد يتحول إلى أداة لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى.
وتتركز معارضة التعديلات الأخيرة حول أربع قضايا رئيسية.
أولاً، عدم الالتزام بالإجراءات الدستورية والبرلمانية المعمول بها. ففي الدول الهشة، لا تُعد الشرعية الإجرائية مسألة تقنية، بل هي أساس السلطة السياسية.
ثانياً، غياب مشاورات عامة حقيقية بشأن تعديلات تعيد تشكيل النظام الدستوري بشكل جذري.
ثالثاً، عدم وجود توافق بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين، وخاصة الولايات الفيدرالية، في نظام يقوم أساساً على التسويات الفيدرالية المتفاوض عليها.
رابعاً، عدم تحقيق النصاب البرلماني المطلوب دستورياً.
ولتوضيح الحقائق، أجرى "مجلس مستقبل الصومال" عملية تحقق مستقلة في وقائع الجلسة البرلمانية التي قيل إنها أقرت التعديلات. وقد قامت لجنة من النواب بمراجعة سجلات الحضور الرسمية، كما تواصلت مباشرة مع 114 عضواً من مجلس الشعب و20 عضواً من مجلس الشيوخ للتأكد مما إذا كانوا قد حضروا الجلسة. وكانت النتائج واضحة.
فقد حضر الجلسة 161 عضواً من مجلس الشعب و34 عضواً من مجلس الشيوخ، وهو رقم يقل عن النصاب المطلوب دستورياً. فبموجب الإطار الدستوري للصومال، تتطلب التعديلات الدستورية حضور ثلثي أعضاء كل غرفة، أي ما لا يقل عن 184 عضواً من مجلس الشعب و36 عضواً من مجلس الشيوخ.
وقد جادل رئيس البرلمان بأن بعض النواب شاركوا إلكترونياً، مشيراً إلى أن المشاركة الافتراضية عوضت غياب النصاب. غير أن متطلبات النصاب الدستوري تقوم على الحضور الفعلي، ولا تعالج المشاركة عن بعد الشرط القانوني الأساسي بوجود الأعضاء داخل القاعة.
كما تثير الشكوك أيضاً الادعاءات بأن جميع الأعضاء الـ222 الذين قيل إنهم حضروا الجلسة قد صوتوا لصالح التعديلات دون أي امتناع أو تصويت ضدها. ففي أي نظام برلماني يعمل بصورة طبيعية، وخاصة أثناء مناقشة تغييرات دستورية جوهرية، فإن مثل هذا الإجماع الكامل دون اعتراض أو امتناع يبدو أمراً غير محتمل للغاية، ويثير تساؤلات إضافية حول دقة ما جرى الإبلاغ عنه بشأن الجلسة. وبحسب المعايير الدستورية، فإن النصاب المطلوب لتعديل الدستور لم يتحقق.
خطر وجود نظامين دستوريين متنافسين
إن القلق الأساسي بشأن هذه التعديلات لا يتعلق بالإجراءات فحسب، بل بالمضمون أيضاً. إذ يشير تسلسل الأحداث إلى أن التعديلات قد تُستخدم لتمديد الولاية السياسية الحالية.
فوفق الإطار الدستوري القائم، تنتهي ولاية البرلمان الفيدرالي في 14 أبريل، بينما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من هذا العام. وقد حدد دستور 2012 المؤقت هذه المدد بوضوح ضمن دورة انتخابية مدتها أربع سنوات.
لكن التعديلات الجديدة أدخلت ولاية مدتها خمس سنوات لكل من البرلمان والرئاسة. وبعد إعلان التعديلات بفترة قصيرة، صرح رئيس البرلمان آدم محمد نور (مدوبي) علناً بأن ولاية المؤسستين ستستمر خمس سنوات بموجب الدستور المعدل.
ولا يُعد هذا التفسير مجرد توضيح تقني. بل يشير إلى محاولة واضحة لتبرير تمديد ولاية الإدارة الحالية إلى ما بعد الحد الدستوري المحدد أصلاً. فالمعنى الضمني واضح: استخدام التعديلات الدستورية للسماح للقيادة الحالية بالبقاء في السلطة حتى مايو 2027، أي إضافة عام كامل إلى الولاية الحالية بدلاً من الالتزام بالموعد الدستوري في مايو 2026.
ويتطلب هذا النهج تطبيق الدستور المعدل بأثر رجعي، بما يسمح للمسؤولين الحاليين بالاستفادة من قواعد تم اعتمادها بعد انتخابهم.
وهذا يتعارض مع أحد المبادئ الأساسية للحكم الدستوري. فالدساتير والتعديلات الدستورية وُضعت لتنظيم الترتيبات السياسية المستقبلية، وليس لتغيير الشروط القانونية التي انتُخب بموجبها المسؤولون الحاليون.
إن تعديل تلك الشروط بأثر رجعي بهدف تمديد بقاء من هم في السلطة يقوض شرعية الانتخابات ويضعف ثقة الجمهور في النظام الدستوري.
ولهذا السبب يؤكد مجلس مستقبل الصومال، إلى جانب ائتلاف واسع من قادة المعارضة والولايات الفيدرالية، أن ولاية الرئيس يجب أن تنتهي في مايو 2026، وأن أي محاولة لتمديدها دون اتفاق انتخابي متفاوض عليه ستشكل تجاوزاً لخط أحمر دستوري.
وإذا ظل هذا النزاع دون حل، فقد تجد الصومال نفسها في وضع غير مسبوق تعمل فيه تحت إطارين دستوريين متنافسين في الوقت نفسه.




