«حصلت أرض الصومال أخيرا على شيء مما انتظرته أكثر من ثلاثة عقود، لكنها خسرت جارا مهما، وواجهت جبهة دبلوماسية أكثر تماسكا». سمية محمود حسين
انتظر إقليم «أرض الصومال» الانفصالي الاعتراف به أكثر من ثلاثة عقود. وفي ديسمبر 2025، جاء الاعتراف أخيرا، ولكن من إسرائيل؛ فقد أصبحت أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميا بالإقليم دولة مستقلة ذات سيادة. وأثارت الخطوة موجة إدانات، من بينها إدانات الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، التي رأت فيها انتهاكا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه. فبأي ثمن جاء هذا الاعتراف؟
اعتراف واحد وجبهة دبلوماسية أوسع ضده
لم يكن رفض استقلال «أرض الصومال» أمرا جديدا، لكنه بعد الاعتراف الإسرائيلي لم يعد صامتا، بل أصبح علنيا ومنظما. ففي يوم الاعتراف نفسه، رفضت مصر وتركيا والصومال وجيبوتي الخطوة. ثم أعلنت أكثر من عشرين دولة عربية وإسلامية رفضها، وعقدت جامعة الدول العربية اجتماعا طارئا، وأكد الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي تمسكهما بوحدة الصومال. وحتى الولايات المتحدة أعلنت أنها ما زالت تعترف بوحدة أراضي الصومال، بما فيها الإقليم.
أما الخسارة الأوضح فجاءت من جيبوتي، التي أغلقت مكتب الاتصال التابع للإقليم بعد أن ظل يعمل على أراضيها منذ عام 2012، وربطت قرارها بالاعتراف الإسرائيلي. وردت هرجيسا باستدعاء ممثلها ومنع الخطوط الجوية الجيبوتية من الهبوط في مطاراتها.
قد يقول البعض إن «أرض الصومال» كانت معزولة أصلا، ولم يكن لديها ما تخسره. لكن قبل ديسمبر 2025، كان العالم يتجاهلها؛ أما بعده، فأصبح كثيرون يتحركون ضدها. فهل كسرت إسرائيل عزلة الإقليم، أم أعادت تشكيلها بصورة أكثر تعقيدا؟
الثمن الأخلاقي والشعبي
«أرض الصومال» مجتمع مسلم، وللقدس والمسجد الأقصى مكانة عميقة في وجدانه. لكن فلسطين اليوم ليست قضية إسلامية فقط، بل قضية إنسانية وحقوقية وقضية قانون دولي. وقد جاء الاعتراف بعد حرب مدمرة على غزة، ومن حكومة يرأسها بنيامين نتنياهو، الصادرة بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية.
ثم جاءت خطوة السفارة. ففي يونيو 2026، افتتح رئيس الإقليم عبد الرحمن «عِرّو» سفارة لـ«أرض الصومال» في القدس، بينما تبقي معظم دول العالم سفاراتها في تل أبيب بسبب الوضع القانوني المتنازع عليه للمدينة.
وفي الداخل، رفع محتجون في بوراما الأعلام الفلسطينية. واعتقلت السلطات، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، شبانا رفعوا العلم الفلسطيني ورجال دين انتقدوا العلاقة مع إسرائيل. كما قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن إسرائيل تسعى إلى تهجير فلسطينيين من غزة إلى الإقليم، وهو ما نفته هرجيسا. ولا يوجد دليل على تنفيذ ذلك، لكن ارتباط اسم الإقليم بهذا الملف أضر بصورته.
هكذا ربحت «أرض الصومال» شرعية في عيون إسرائيل، لكنها خسرت جزءا من شرعيتها الأخلاقية والشعبية لدى المسلمين والعرب والصوماليين، ولدى كل من يرى في فلسطين قضية عدالة إنسانية.
حين يصبح الاستقرار نفسه مهددا
بنت «أرض الصومال» حجتها لنيل الاعتراف على الأمن والاستقرار، وما زال رئيسها يكرر هذه الحجة حتى اليوم. لكن المفارقة أن اعترافها الأول قد يهدد أهم ميزة تستند إليها.
فبعد الاعتراف مباشرة، أعلن زعيم الحوثيين أن أي وجود إسرائيلي في الإقليم سيكون هدفا عسكريا. وتوعدت حركة الشباب بمواجهة أي وجود إسرائيلي على أراضيه، ووصفت سلطاته بالمرتدة. ولم تسجل حتى الآن هجمات داخل الإقليم ثبت ارتباطها بالاعتراف، لكن الجماعات المتطرفة حصلت على رواية جاهزة للتجنيد والتعبئة في بلد يعاني من الإرهاب منذ عقدين.
كما كشف الاعتراف هشاشة الداخل؛ فالإقليم لا يسيطر على كامل الحدود التي يطالب بها، وتتزايد أصوات الرفض في أودل والمناطق الشرقية. واللافت أن تحليلا مشتركا لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ومعهد بحثي في «أرض الصومال» أقر بأن التحالف مع إسرائيل قد يعرض الإقليم لانتقام مباشر ويضعف سعيه إلى الاعتراف. فكيف يواصل الإقليم تقديم نفسه نموذجا للأمن وهو يتلقى تهديدات علنية من جانبي البحر؟
الحوثيون والبحر الأحمر وخطر الحرب بالوكالة
تظهر دوافع إسرائيل الأمنية في تحليلات إسرائيلية تربط التعاون مع الإقليم بمراقبة الحوثيين. وقال الرئيس الصومالي إن إقامة قاعدة عسكرية كانت من شروط الاعتراف، ونفت هرجيسا ذلك. وفي يونيو 2026، أكد وزير دفاع الإقليم أن إسرائيل تدرب قوات الشرطة والجيش، لكنه وصف الحديث عن قاعدة بأنه شائعات، بينما تحدثت تقارير إعلامية دولية عن وجود عسكري إسرائيلي محتمل في بربرة. التعاون الأمني إذن حقيقة، أما القاعدة فما زالت موضع جدل.
وفي الوقت نفسه، ازداد خطر الحوثيين قربا من الإقليم؛ فقد استأنفوا هجماتهم على السفن في يوليو 2026، ثم سيطروا في سبتمبر على ميناء المخا وجزيرة ميون في قلب باب المندب. وهم يملكون صواريخ ومسيرات وصل بعضها إلى عمق إسرائيل.

