«ويكفيني أن المصريين يقرؤون اسم ابنهم باعتزاز، وأنني أقرأ اسم ابنة بلدي بسرور، وأن ترمب يقرأ الاسمين على مضض». عبد الرحمن محمد غوريمن مقهى شعبي في باب اللوق، تبدو أميركا هذا المساء أقرب من بعض أحياء القاهرة. لا تأشيرة ولا تفتيش ولا سؤال عن سبب الزيارة. كوب شاي وهاتف ذكي يكفيان لأمضي من ميشيغان إلى مينيسوتا، وأعود قبل أن يبرد الشاي. ولم أكن أتصور أن يصبح هذا المقهى الصغير محطة لمتابعة الانتخابات الأميركية، وأن يتحول هاتفي إلى خريطة أتنقل فيها بين الولايات، بينما يمر النادل من أمامي غير معني بما يجري في واشنطن، ويسألني السؤال الوحيد الذي يهمه: شاي آخر؟أفهم فرحة المصريين بعبدول السيد، وأشاركهم فيها؛ فقد فاز ابن لهم بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي، وحمل معه حكاية عائلة مصرية عبرت المحيط، ثم وجدت اسمها على ورقة اقتراع أميركية. ولي في فوزه سبب آخر للابتسام.فاسمه عبد الرحمن، مثلي، وقد سرني أن يصل اسمي إلى مجلس الشيوخ، بينما أنا في باب اللوق أشرب الشاي. صحيح أن عبد الرحمن السيد لا يعرفني، ولا يبدو أنه استشارني قبل أن يترشح، لكن هذه تفاصيل صغيرة لا تفسد قرابة يصنعها الاسم، ولو لليلة واحدة.ولا ألوم من يحتفل به في القاهرة. فالمسافة بين الوطن ومن غادروه لا تُقاس دائمًا بعدد الساعات في الطائرة. أحيانًا تكفي لهجة في خطاب، أو اسم على شاشة، أو صورة شاب يبتسم في ليلة انتخابية، ليشعر أناس بعيدون بأن لهم نصيبًا من الخبر. نحن نملك موهبة عجيبة في تبني الناجحين من أبناء بلادنا، حتى إن لم نلتقهم قط، وربما أحسنا فعلًا؛ فالأفراح، بخلاف المقاعد البرلمانية، تتسع للجميع. أما فرحتي الخاصة فاسمها إلهان عمر. وأنا صومالي، ولا أرى أن فرحتي بفوز ابنة بلدي تحتاج إلى بيان أشرح فيه موقفي من الحياد. ولو جلست في مقديشو مع مصري يتابع فوز عبدول، لفهمت فرحته من أول ابتسامة. لا أطلب من أحد أن يشاركني موقفي السياسي، لكنني أحتفظ بحقي في أن أفرح حين أرى اسمًا صوماليًا يعود إلى مقعد ينتخبه الأميركيون. هذا حق بسيط، ولا يحتاج، فيما أظن، إلى لجنة لتفسيره.ولإلهان مع ترمب حكاية تزيد الفوز حلاوة. وصل الرجل إلى البيت الأبيض مرتين، بعدما هزم هيلاري كلينتون ثم كامالا هاريس، ولعله حسب أن له خبرة تكفيه في هزيمة الستات، فإذا بسيدة صومالية تعود إلى الكونغرس كلما تمنى أن تغادره. هو يشير إلى الباب، والناخبون يشيرون إلى مقعدها. ويبدو أن لصناديق الاقتراع رأيًا لا يلتزم دائمًا بإشارات الرؤساء، مهما ارتفعت أصواتهم أو كثرت تصريحاتهم.أتخيل حرج من يحمل النتائج إلى ترمب. كيف يشرح لرجل اعتاد أن يكون اسمه أكبر من كل الأسماء أن الجمهوريين خسروا مجلسي الكونغرس، وأن الناخبين سمعوه جيدًا، وفهموا ما أراد، ثم اختاروا ما لا يحب؟ لا أعرف كيف تُقدَّم الأخبار السيئة في البيت الأبيض، لكنني أتمنى لمن يتولى المهمة أن يبدأ بالأرقام لا بالتبريرات. فالأرقام، على قسوتها، أقل ميلًا إلى المجاملة من بعض المحيطين بالرؤساء.أرفع عيني عن الهاتف، فأجد القاهرة تمضي في مسائها، وأفكر في هذه الألفة العجيبة التي تنشأ بيننا وبين أماكن لم نزرها. كنت أمر على اسم ميشيغان في الأخبار فأواصل القراءة، واليوم أتوقف عنده كأن لي فيها قريبًا. ويبدو أنني ضممت عبدول إلى العائلة من غير أن أستأذنه. أما مينيسوتا، فقد صارت عندي أقرب إلى الحارة المجاورة، لا لأنني أعرف شوارعها، بل لأن فيها اسمًا أسمعه كما أسمع أسماء أهلي. أترك لعبدول وإلهان ما ينتظرهما من عمل في الكونغرس. فالاحتفال من باب اللوق سهل، أما العمل في واشنطن فله حسابات أخرى، وللناخبين مطالب لا تنتهي عند صورة الفوز. ويكفيني هذا المساء أن المصريين يقرؤون اسم ابنهم باعتزاز، وأنني أقرأ اسم ابنة بلدي بسرور، وأن ترمب يقرأ الاسمين على مضض. لا أزعم أن هذا تفسير شامل للانتخابات، لكنه تفسير مناسب جدًا لكوب الشاي الذي أمامي.وأطلب كوبًا آخر من الشاي، فمن حسنات متابعة الانتخابات الأميركية من باب اللوق أن في وسعي إطالة الاحتفال بثمن كوب شاي. أما السهر على النتائج فأتركه لساكن البيت الأبيض. ولعله، إن طال به الليل، يحتاج هو أيضًا إلى كوب شاي؛ غير أنني لا أضمن أن يجد في واشنطن نادلًا صبورًا كنادل باب اللوق، ولا أن يكون الشاي هناك قادرًا على تحلية هذه النتائج.عن الكاتب:عبد الرحمن محمد غوري، كاتب ومحلل صومالي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والجغرافيا السياسية الإقليمية. يكتب عن السياسة والفن والفلسفة.Email: gure57@gmail.comالآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر منصة «بوابة إفريقيا»