«خرجت من المكتبة وبقي الاسم معي، ثم جاءت السينما تمنح شخصياته وجوها وأصواتا، لتبقى عائلة كورليوني حاضرة في ذاكرتي، رغم مرور كل هذه السنوات». عبد الرحمن محمد غوريلم تكن القطة في السيناريو. لمحها المخرج فرانسيس فورد كوبولا في موقع التصوير، ووضعها في حجر مارلون براندو. هكذا دخلت «العراب» بلا اختبار أداء، أما الممثل الذي حملها فكانت عليه اعتراضات.لم يوافق مسؤولون في الاستوديو على اختيار براندو في البداية، لما عرف عنه من صعوبة التعامل معه، لكن كوبولا تمسك به، وأصر أيضا على آل باتشينو لدور مايكل، قبل أن يصبح من النجوم المعروفين. وبذل المخرج جهدا كبيرا لإقناع أصحاب المال بالرجلين اللذين سيؤديان دوري الأب والابن.جلس براندو يستقبل أصحاب الحاجات ويستمع إلى شكاواهم، وهو يداعب القطة. رجل يخشاه الجميع، ويمسح برفق على ظهرها. لم يحتج إلى رفع صوته، فالآخرون هم الذين جاءوا يخفضون أصواتهم. عرفت اسم «ماريو بوزو» في مكتبة المركز الثقافي المصري في مقديشو. كنت أرتادها وأمضي وقتا طويلا بين كتبها. يومها لم أكن أعرف أن عائلة كورليوني سترافقني كل هذه السنوات. خرجت من المكتبة وبقي الاسم معي، ثم جاءت السينما تمنح شخصياته وجوها وأصواتا.كانت في مقديشو سينما «حَمَر»، و«ميسيوني»، و«سنترالي» وغيرها، لكن «بنادر» كانت المفضلة لدي. أدخلها لأرى عالما بعيدا، ثم أعود إلى الحي ومعي شيء منه؛ وجه أو عبارة أو مشهد أتأمله إلى أن يأتي موعد الفيلم التالي.وعند الباب كان العم حسن الطيب، ناظر السينما. نراه قبل الفيلم وبعده، حتى صار جزءا من ذكرياتنا الحلوة.لم تكن الجريمة وحدها ما يشدني إلى «العراب». ففي بيت «دون فيتو»، أب يحب أبناءه ويريد حمايتهم، لكنه لا يترك لهم بسهولة أن يختاروا حياتهم. وكان الأبناء يجدون أنفسهم بين رغباتهم وما ينتظره الأب منهم، وقد يصبح الاعتراض على الأب خذلانا للعائلة كلها.أكثر ما يستوقفني هو مايكل، الشاب الذي أراد حياة أخرى، ولم يكن يتطلع إلى وراثة أبيه. اقترب من عالمه خطوة، ثم وجد لكل خطوة تالية ما يبررها. وحين استقرت السلطة في يده، كان قد صار أشد قسوة، وأبعد عن الحياة التي أرادها لنفسه.في الجزء الثاني، عاد فيتو شابا بوجه روبرت دي نيرو، بينما تابعنا مايكل وهو يوسع سلطته ويزداد عزلة. ثم جاء الجزء الثالث، وقد أثقلت مايكل السنوات وتبعات أفعاله.شاهدت الأجزاء الثلاثة، وعدت إلى الأخير في الصيغة التي قدمها كوبولا بعنوان «العراب كودا: موت مايكل كورليوني».ومع «العراب» تعود إليّ مكتبة المركز الثقافي المصري، وقاعة سينما بنادر وشاشتها، والعم حسن الطيب. ينتهي الفيلم ويضاء النور، لكن رغم مرور السنوات، لا يزال يحضرني مشهد القطة في حجر براندو الأنيق.عن الكاتب:* عبد الرحمن محمد غوري، كاتب ومحلل صومالي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والجغرافيا السياسية الإقليمية. يكتب عن السياسة والفن والفلسفة.Email: gure57@gmail.com** الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر منصة «بوابة إفريقيا»