«أستطيع أن أقول للسياسة: لا شأن لي بك، لكنها ليست ملزمة بأن تجيبني بالمثل. وهذه هي المشكلة.» عبد الرحمن محمد غوري
هل جرّبتم اللامبالاة؟ واللامبالاة التي أقصدها ليست أن ترى رجلاً يغرق فتقول: وما شأني؟ ولا أن يستغيث بك جار فتغلق الباب وتتظاهر بأنك لم تسمع شيئاً، ولا هي تلك النصيحة السهلة التي يقدمها الأصدقاء كلما ضاقت بك الدنيا، فيقولون لك: لا تهتم. ولكنني أقصد اللامبالاة السياسية تحديداً؛ تلك الراحة الجميلة التي يقنع الإنسان نفسه فيها بأن من حقه أن يغلق باب السياسة، ويترك السياسيين يتشاجرون وحدهم، ثم يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته وينام مطمئناً.
حاولت ذلك مراراً، وقلت: وما شأني بمن اختلف مع من، ومن هدد من، ومن انسحب من الحزب الفلاني، ومن عقد مؤتمراً صحفياً لكي يرد على مؤتمر صحفي عقده الآخر؟ ولكن رجلاً إيطالياً مات قبل نحو تسعين عاماً، اسمه أنطونيو غرامشي، ظل يعكر عليّ هذه الراحة. كلما قلت: لا شأن لي بكل هذا، تراءى لي خارجاً من «دفاتر السجن» لكي يقول لي: بل لك شأن.
وغرامشي هذا لم يكن يحب اللامبالين، وقيل إنه كان يكرههم. ولم ترق لي العبارة منذ عرفتها، وقلت: ما ذنب الرجل الذي يخرج في الصباح وراء رزقه، ويعود في المساء إلى بيته، ولا يريد أن يعرف ماذا قال الوزير ولا بماذا ردت المعارضة؟ ثم فهمت أن غرامشي لم يكن غاضباً ممن تعب من السياسة، فالسياسة تُتعب من يحبها، فكيف بمن لا يحبها؟ وإنما كان غاضباً ممن تركها للآخرين، ثم استيقظ ذات صباح غاضباً لأن الآخرين قرروا عنه.
وكان زمن الرجل يسمح له بشيء من هذه القسوة؛ فقد كانت الفاشية تصعد، وكان موسوليني يملأ إيطاليا ضجيجاً، وكانت أوروبا تمشي نحو الكارثة. ثم ألقوا بغرامشي في السجن لكي يصمت، فحدث شيء آخر: مات السجين وبقيت أفكاره طليقة.
وأتعشم أحياناً أن أنجح في العيش بعيداً عن السياسة، فأغلق الشاشة، وأترك الهاتف، وأتوقف عن متابعة الأخبار يومين أو ثلاثة، وأقول لنفسي إن من حقي أن أعيش حياتي. لكن السياسة تعرف عنواني، وتصل إليّ من غير دعوة.
أجدها في العمل، وفي المقهى، وفي الطريق، وحتى عند صندوق الدفع حين أشتري شيئاً، فأجد ضريبة القيمة المضافة قد سبقتني إلى الفاتورة، فأدرك أن للسياسة نصيباً حتى فيما أدفعه، وأنها موجودة في ثمن القهوة، وفي فاتورة الكهرباء، وفي راتب آخر الشهر، وفي الطريق الذي أصل منه إلى بيتي. وأستطيع بالطبع أن أقول للسياسة: لا شأن لي بك، لكنها ليست ملزمة بأن تجيبني بالمثل. وهذه هي المشكلة كلها.
ولغرامشي حكاية أخرى اسمها «المثقف العضوي»، والاسم ثقيل بعض الشيء، وقد يجعل المرء يظن أن وراءه نظرية لا يفهمها إلا أصحاب الاختصاص. لكن الفكرة أبسط من الاسم بكثير؛ فالمثقف عند غرامشي ليس الرجل الذي قرأ أكثر، ولا الذي يحفظ أسماء الفلاسفة ويستدعيها في كل حديث، وإنما هو الذي يعرف كيف يصل بين الفكرة والناس، وكيف يفهم خوفهم وغضبهم وآمالهم وآلامهم، ثم يمنح ذلك كله معنى واتجاهاً.
فالناس لا يحتاجون إلى آدم سميث لكي يعرفوا أن الأسعار ارتفعت، ولا إلى جاك روسو لكي يشعروا بالظلم، ولا إلى أخينا ماركس لكي يعرف العامل أن أجره لا يكفيه. فالحياة تسبق الكتب دائماً، والجيب أحياناً أبلغ من الفلاسفة، والإنسان يشعر بالمشكلة قبل أن يعرف أسماء النظريات.
ولكن ماذا بعد الشعور؟ هنا تبدأ المسألة. فالغضب يستطيع أن يملأ ميداناً، لكنه لا يبني دولة، والحماس يستطيع أن يبدأ رحلة، لكنه لا يعرف دائماً أين تنتهي، والشعار يستطيع أن يجمع ألف شخص في المساء، لكنه لا يخبرهم ماذا يفعلون في صباح اليوم التالي. وقد رأينا جماهير ملأت الشوارع ثم عادت إلى بيوتها، ورأينا أحلاماً كبيرة بدأت بهتاف وانتهت بخيبة. ولم يكن ينقص الناس دائماً الصدق ولا الشجاعة، وإنما كان ينقصهم ذلك السؤال الثقيل: ماذا بعد؟ كيف يتحول الغضب إلى فكرة، والفكرة إلى إرادة، والإرادة إلى فعل؟ وهنا تراءت لي خلاصة غرامشي في أبسط صورها: معرفة تشعر، وعاطفة تفكر.
ولو عاش الرجل في زمن فيسبوك وإكس وتيك توك، لأظنه احتاج إلى «دفاتر سجن» جديدة. فنحن جميعاً أصبحنا صحفيين ومذيعين ومحللين وخبراء، وكل واحد منا يحمل اليوم صحيفة وإذاعة ومحطة تلفزيون في جيبه. أستيقظ على حرب، وأشرب القهوة مع أزمة سياسية، وأتناول الغداء مع انتخابات، وأنام على كارثة اقتصادية، وأعرف في يوم واحد ما كان الإنسان يحتاج إلى أسابيع لكي يعرفه. كل هذه المعرفة، ولكن ماذا فعلنا بها؟ لا أدري.
وهنا تظهر مشكلة أخرى؛ فاللامبالي القديم كان صامتاً على الأقل، أما في أيامنا الحلوة فقد تغير شكل اللامبالاة، وأصبح في استطاعتي أن أتكلم في السياسة من الصباح إلى المساء من دون أن أفعل شيئاً. أكتب تعليقاً فأشعر أنني شاركت، وأضع علامة إعجاب فأحسب أنني أديت الواجب، وأعيد نشر صورة فأطمئن إلى أنني نصرت قضية، ثم يأتي خبر جديد فيأخذني من القضية الأولى إلى الثانية، ومن الثانية إلى الثالثة، حتى أكاد أنسى في المساء ما الذي أغضبني في الصباح.

