«هؤلاء بعض من أغنوا السينما الأمريكية ومنحوها وجوها عرفها العالم وصارت مع الوقت من ملامح أمريكا نفسها ولعل من أجمل مفارقات هذه السينما أنها روت جانبا من حكاية أمريكا بوجوه إيطالية». عبد الرحمن محمد غوري
أسهم الإيطاليون في صنع صورة أمريكا على الشاشة بقدر ما أسهموا في صنع سينما بلادهم. بعضهم عبر المحيط إلى هوليوود، وبعضهم ولد هناك لأسر إيطالية مهاجرة، وآخرون بقوا في بلادهم وصنعوا أفلاما عن الغرب الأمريكي شاهدناها وأحببنا أبطالها، قبل أن نعرف أن وراء تلك القبعات والمسدسات والبلدات الحدودية عبقرية إيطالية.
من هؤلاء «فرانكو نيرو»، الذي دخل ذاكرة السينما وهو يجر تابوتا في الوحل في فيلم «Django». لم يكن يمتطي حصانا، ولا يحمل شارة مأمور شرطة على صدره. جاء ماشيا بمعطفه الثقيل وقبعته المنخفضة إلى بلدة يتنازعها المسلحون وينتظر أهلها المصيبة التالية. كان قليل الكلام، وكانت عيناه توحيان بأنه يعرف ما ينتظره. أما التابوت فلم يكن يحمل ميتا، بل رشاشا سيحتاج إليه صاحبه بعد قليل.
أخرج الفيلم «سيرجيو كوربوتشي» في زمن بدأ فيه الإيطاليون يمنحون أفلام الويسترن وجها آخر. الثياب متسخة، والوجوه متعبة، والبطل قليل الثقة بالعدالة. ووضع «لويس باكالوف» موسيقى «Django»، فبقيت في الذاكرة مع صورة الرجل وتابوته. ولبعض ألحان السينما قدرة على استعادة فيلم كامل قبل أن نتذكر قصته.
عرفنا «فرانكو نيرو» ضمن الوجوه التي كانت تنقلنا من مقديشو إلى بلاد بعيدة. ندخل قاعة السينما فنجد أنفسنا قرب الحدود المكسيكية، نراقب باب حانة أو رجلا يضع يده قريبا من مسدسه. لم نسأل يومها كيف أصبح الإيطاليون من أشهر رواة الحكاية الأمريكية، فقد كنا مشغولين بمصير الرجل المحاصر على الشاشة، وكيف سيخرج حيا من بين كل تلك البنادق.
وقبل «نيرو» بعقود، غادر «رودولف فالنتينو» إيطاليا إلى أمريكا، وصار من أشهر نجوم السينما الصامتة. لم يكن بحاجة إلى أن يسمع الجمهور صوته لكي يحبه. وبعده جاءت «صوفيا لورين» من نشأتها الفقيرة قرب نابولي إلى بطولة الأفلام مع كبار نجوم هوليوود. احتفظت بحضورها الإيطالي وهي تنتقل بين سينما بلادها والسينما الأمريكية، وأصبحت صورتها جزءا من ذاكرة المدرستين.
أما أبناء المهاجرين فحكايتهم أطول. ولد «آل باتشينو» و«روبرت دي نيرو» في نيويورك، ولهما جذور إيطالية، ثم أصبحا من أبرز وجوه السينما الأمريكية. منح «باتشينو» شخصية «مايكل كورليوني» في فيلم «The Godfather» هدوءا يزداد رهبة كلما قل كلامه، وأدى «دي نيرو» شخصية «فيتو كورليوني» في شبابه في فيلم «The Godfather Part II». ومن خلالهما تابعنا أسرة تصعد في أمريكا وتكتشف أن الثروة لا تحمي أبناءها من الخوف.
وجاء «سيلفستر ستالون»، وهو من أصول إيطالية من جهة أبيه، بشخصية «روكي» في فيلم «Rocky»، الملاكم الذي يعيش على الهامش حتى تأتيه فرصة عمره. أحب الناس إصراره على النهوض كلما سقط، وكان في حكايته شيء مفهوم عند كل من اضطر إلى البدء من أسفل السلم.

