«لا يحتاج مجتمع دِغِلْ ومِرِفْلي إلى اختراع ثقافة سياسية جديدة، بل إلى قيادة تحوّل تاريخه من ذاكرة إلى مشروع سياسي». نور معلم صلاة
عندما نتحدث عن مجتمع دِغِلْ ومِرِفْلي، فإننا لا نتحدث عن جماعة اجتماعية عابرة في التاريخ الصومالي، بل عن مجتمع ضارب الجذور في تاريخ جنوب الصومال، ويمتلك تجربة طويلة في التنظيم الاجتماعي والسياسي وإدارة شؤونه المحلية.
ولعل العودة إلى التاريخ تكشف أن أراضي دِغِلْ ومِرِفْلي شهدت قيام عدد من السلطنات والكيانات السياسية، من بينها سلطنة «غِليدي» وسلطنة «غَسَرغُدي» في لُوق غناني، إلى جانب كيانات أخرى تركت آثارا واضحة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للمنطقة. كما توثق بعض الدراسات وجود هياكل تقليدية للحكم والتشاور، امتدت من السلاطين إلى مجالس الأعيان والقيادات الحربية.
لذلك، فإن القول إن هذا المجتمع يفتقر إلى ثقافة النظام أو الخبرة في الحكم لا ينسجم تماما مع ما تكشفه المصادر التاريخية. فقد عرفت بعض هذه السلطنات أشكالا من الإدارة والجباية والعلاقات الخارجية، كما عرفت مؤسسات تقليدية للتشاور وإدارة شؤون المجتمع.
ومع وصول الاستعمار الأوروبي إلى الصومال، دخلت هذه المجتمعات مرحلة جديدة من الصراع والتحولات السياسية. وشهد جنوب الصومال مقاومات متعددة ضد التوسع الاستعماري، شاركت فيها جماعات من مناطق مختلفة، وإن اختلفت طبيعة المقاومة وأطرافها من منطقة إلى أخرى.
ثم جاء الاستقلال، واندمج مجتمع دِغِلْ ومِرِفْلي في الدولة الصومالية الحديثة، وانخرط أبناؤه في مؤسسات الدولة والحياة السياسية. وخلال مرحلة ما قبل الاستقلال وما أعقبها، برز أيضا تنظيم سياسي باسم «حزب دِغِلْ ومِرِفْلي»، مثّل مصالح المجتمعات الزراعية في مناطق الأنهار، وطالب بصيغة سياسية تراعي خصوصية هذه المناطق ومصالح سكانها.
لكن المفارقة التي تستحق التأمل لا تكمن في غياب التاريخ أو ثقافة النظام، بل في غياب القيادة القادرة على تحويل هذا الرصيد التاريخي والاجتماعي إلى مشروع سياسي واضح.
فالمشكلة ليست أن المجتمع لا يمتلك تاريخا، بل في أن هذا التاريخ لم يتحول إلى مشروع. وليست المشكلة أن المجتمع لا يعرف النظام، بل في أن هذا النظام لم يجد قيادة سياسية تجمع مكوناته وتدافع عن مصالحه داخل الدولة الصومالية.

