«الجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تضمن النجاح؛ فالدولة وحدها تحول الموقع الاستراتيجي إلى نفوذ ومكاسب اقتصادية وسياسية دائمة تخدم المصلحة الوطنية». عبد طاهر محمد عثمان على مدى سنوات طويلة، كان الصومال يقدم من زاوية واحدة تقريبا: دولة تحاول تجاوز أزماتها الداخلية واستعادة مؤسساتها بعد عقود من الانهيار والصراعات. ومع أن هذه الصورة لا تزال تحمل جانبا من الحقيقة، فإنها لم تعد كافية لفهم موقع الصومال اليوم. فمنذ عام 2017، غيرت التطورات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر طبيعة الأسئلة المطروحة على صانع القرار الصومالي. لم يعد الأمر يقتصر على كيفية تحقيق الاستقرار الداخلي، بل بات يشمل كيفية حماية المصالح الوطنية في منطقة تعاد صياغة توازناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية بوتيرة متسارعة. والحقيقة أن الصومال وجد نفسه، ربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، في قلب معادلة إقليمية أكبر منه بكثير. فالدولة التي كانت تقدم غالبا بوصفها متلقية للتأثيرات الخارجية أصبحت جزءا من حسابات القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي. ويستدعي هذا التحول إعادة التفكير في مفهوم المصلحة الوطنية الصومالية: ما الذي تريد الدولة تحقيقه؟ وما أولوياتها؟ وكيف يمكنها الاستفادة من موقعها الاستراتيجي من دون أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين؟ في تقديري، لا يمكن فهم المصلحة الوطنية الصومالية بعيدا عن الجغرافيا. فهناك دول تصنع نفوذها من اقتصادها، وأخرى تبنيه بقوتها العسكرية، لكن الصومال يمتلك منذ البداية ورقة لا يمكن تجاهلها، وهي الموقع. هذا الموقع لم يتغير منذ قرون، لكن قيمته تتبدل بحسب الظروف الدولية. واليوم، في ظل التنافس المتزايد على الممرات البحرية وخطوط التجارة العالمية، أصبح الساحل الصومالي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها الدولة. ولهذا، لم يعد البحر بالنسبة إلى الصومال مجرد امتداد جغرافي أو مورد اقتصادي محتمل، بل أصبح جزءا من مفهوم الأمن القومي. فالموانئ وطرق الملاحة والمياه الإقليمية لم تعد ملفات فنية تترك للمتخصصين وحدهم، وإنما تحولت إلى قضايا سياسية وسيادية ترتبط مباشرة بمكانة الدولة ومستقبلها. ومن يراقب النقاشات الدائرة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن الحديث عن البحر الأحمر بات يوازي الحديث عن النفط والأمن والجيوش، لأن السيطرة على طرق التجارة أصبحت شكلا جديدا من أشكال النفوذ. ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير الذي شهدته المنطقة بعد الأزمة الخليجية عام 2017. فالأزمة لم تبق محصورة داخل الخليج العربي، بل امتدت تداعياتها مباشرة إلى القرن الإفريقي، حيث أصبحت موانئ المنطقة محط اهتمام متزايد. وبدأت العواصم الإقليمية تنظر إلى القرن الإفريقي باعتباره ساحة مهمة لتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية. ومع مرور الوقت، تحول هذا الحضور إلى واقع دائم، لا إلى حالة مؤقتة مرتبطة بأزمة سياسية عابرة. وأصبح لكل طرف تصوره الخاص لمستقبل المنطقة وحساباته المتعلقة بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. في خضم هذه التحولات، لم يكن في وسع الصومال تجاهل ما يجري. فكلما ازدادت أهمية المنطقة، ازدادت أهمية موقعه، وكلما اشتد التنافس على البحر الأحمر، تعاظمت قيمة سواحله. لكن الفرص الكبيرة تأتي غالبا مصحوبة بمخاطر مماثلة. فالاهتمام الخارجي يمكن أن يوفر استثمارات ومساعدات وشراكات مهمة، لكنه قد يتحول أيضا إلى مصدر للضغوط والتدخلات إذا غابت الرؤية الوطنية الواضحة. وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الحالة الصومالية: فالدولة تحتاج إلى الشراكات الخارجية في مجالات عديدة، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على استقلال قرارها الوطني. وهذه معادلة ليست سهلة. ومن الواضح أن هشاشة البنية السياسية الداخلية جعلت أثر التنافس الخارجي أكثر وضوحا. فكثير من القوى الإقليمية لم تتعامل مع الحكومة الفيدرالية وحدها، بل أقامت علاقات مباشرة مع فاعلين محليين، ما فتح الباب أمام تداخل الحسابات الداخلية والخارجية. وفي بعض الأحيان، بدا أن الخلافات الإقليمية وجدت انعكاسا مباشرا داخل الساحة السياسية الصومالية. ولا أعتقد أن هناك ملفا يعكس هذا التداخل أكثر من قضية إقليم «أرض الصومال» الانفصالي. فقد نوقشت القضية سنوات طويلة ضمن إطارها الداخلي المرتبط بالوحدة والانفصال، لكنها اكتسبت خلال السنوات الأخيرة أبعادا جديدة تتصل بالموقع الجغرافي والموانئ والعلاقات الإقليمية. ولذلك، لم تعد القضية مجرد خلاف سياسي داخلي، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات أوسع تشمل أمن البحر الأحمر ومستقبل التنافس في القرن الإفريقي. وكشفت تطورات عام 2024 بوضوح حجم الحساسية التي باتت تحيط بهذا الملف. فالقضية لم تعد تتعلق بوضع سياسي محلي فقط، وإنما أصبحت متصلة بأسئلة السيادة والاعتراف والوصول إلى البحر والنفوذ الإقليمي، وهو ما يفسر حجم التفاعل الذي أثارته داخل الصومال وخارجه. ومع ذلك، فإن التركيز على المخاطر وحدها يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد. فالصومال يمتلك اليوم فرصا ربما لم تكن متاحة له قبل سنوات قليلة. هناك اهتمام دولي بالاستثمار في البنية التحتية، وتطوير القدرات البحرية، ودعم الاستقرار والتنمية. كما أن تعدد الفاعلين يمنح الصومال مساحة أوسع للحركة والمناورة مقارنة بالماضي، لكن التحدي يكمن في كيفية إدارة هذه المساحة. فالتاريخ مليء بدول امتلكت مواقع استراتيجية مهمة، لكنها فشلت في تحويلها إلى قوة حقيقية. ويخبرنا التاريخ أيضا أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ؛ فالدولة هي التي تحوله إلى قوة عندما تعرف ما الذي تريده من العالم، وكيف تحقق أهدافها، وتدير علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالحها طويلة المدى. ومن هنا، أرى أن جوهر المصلحة الوطنية الصومالية يتمثل في أربعة عناصر مترابطة: أولها الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها السياسية، وثانيها حماية الحقوق البحرية وتطوير القدرات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق. ويتعلق العنصر الثالث بإدارة العلاقات الخارجية بطريقة متوازنة تمنع الارتهان لأي طرف، فيما...