«أثبتت الجولات السابقة أن عقد الاجتماعات وحده لا يكفي، وأن أي مفاوضات جديدة تحتاج إلى أجندة واضحة وتفويض سياسي حقيقي». عمر أبوبكر محمد
على مدى ما يقارب عقدين، استمرت المفاوضات بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وحكومة إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، بدعم ووساطات من دول مختلفة، دون أن تتمكن من إحداث تغيير ملموس في واقع العلاقة بين الجانبين، إذ تحولت مع تعاقب الجولات دون تحقيق اختراق في القضايا الجوهرية، في نظر الشارع، إلى مسار شكلي يقتصر على اللقاءات والبيانات، ما أضعف الآمال في إمكانية التوصل إلى تسوية للقضايا محل النزاع.
ويستعرض هذا المقال مسيرة مفاوضات مقديشو وهرجيسا، والأسباب التي حالت دون تحقيق اختراق في جوهر الخلاف، والتبريرات التي تستند إليها «أرض الصومال» في مشروع الانفصال، إلى جانب العوامل التي قد تتيح إعادة إحياء المسار التفاوضي في ظل التحولات السياسية والأمنية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
مفاوضات بأجندات متباينة
قبل أربعة عشر عامًا، بدأت المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا، وتحديدًا مطلع عام 2012، حين كانت الصومال تحت قيادة الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس السابق «شريف شيخ أحمد»، فيما كانت «أرض الصومال» تحت قيادة ريسيها الراحل «أحمد سيلانيو».
وجاءت فكرة المفاوضات خلال المؤتمر الدولي حول الصومال الذي انعقد في لندن عام 2012، وكان من بين مخرجاته تأكيد المجتمع الدولي دعمه للحوار بين الحكومة الفيدرالية و«أرض الصومال»، إذ تُرجم ذلك عمليًا بعقد أول اجتماع مباشر بين ممثلين عن الطرفين في لندن في 20 يونيو 2012، حيث اتفقا على مواصلة المفاوضات وعقد لقاءات بين قياداتهما، إلى جانب التعاون في مكافحة الإرهاب والقرصنة.
بعد ذلك، توالت جولات المفاوضات متنقلة بين دول مختلفة، من الإمارات وتركيا وجيبوتي وإثيوبيا. ففي العام نفسه، التقى قادة الطرفين آنذاك، «شريف شيخ أحمد» و«أحمد سيلانيو»، في دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن تنتقل المفاوضات في العام التالي إلى تركيا، حيث عقد الجانبان لقاءً مباشرًا في العاصمة أنقرة، بحضور رئيس الوزراء التركي آنذاك، الرئيس الحالي «رجب طيب أردوغان».
استمرت المفاوضات في العام نفسه والعام التالي بمدينة إسطنبول، حيث عُقدت عدة لقاءات بين وفدي الطرفين، حققت تقدمًا نسبيًا في قضايا محدودة، من بينها تبادل المعلومات الأمنية، وتقاسم برامج التدريب والمنح، والامتناع عن الإدلاء بتصريحات قد تضر بالمفاوضات، إلى جانب بحث قضايا فنية تتعلق بإدارة المجال الجوي للبلاد، لكن هذا التقدم لم يُستثمر، فتوقفت المفاوضات قبل أن تُستأنف لاحقًا في جيبوتي، ومنها انتقلت إلى إثيوبيا، ثم عادت مجددًا إلى جيبوتي.
وفي ظل هذه الجولات المتعددة، التي تنقلت بين بلدان مختلفة دون أن تغيّر الواقع بين الجانبين، يبرز سؤال ملح: لماذا لم تنجح هذه المفاوضات في تحقيق اختراق في القضايا المصيرية، أو الانتقال إلى بحث جوهر الخلاف المتمثل في قضية الوحدة والانفصال ووضعها على طاولة المفاوضات؟
تكمن إحدى الإجابات عن هذا السؤال في أن المفاوضات لم تنبع أصلًا من إرادة الطرفين أو من شعور مشترك بضرورة التوصل إلى حل لقضية الوحدة والانفصال، مع استعداد كل طرف لتقديم تنازلات متبادلة، وإنما جاءت بدفع من أطراف دولية وإقليمية تنظر إلى القضية من زوايا ومصالح مختلفة، وهو ما انعكس على دخول الطرفين المفاوضات بأجندات متباينة، وتمسك كل منهما بمطالبه دون طرح مقابل يمكن أن يقدمه في سبيل التوصل إلى تسوية.
إلى جانب ذلك، لم يُعدّ الطرفان الأرضية السياسية اللازمة لإنجاح المفاوضات، من خلال فتح نقاشات داخلية لبلورة موقف سياسي يحدد ما يمكن التنازل عنه وما يتمسك به كل طرف، بما يتيح للجان المعنية الدخول في العملية التفاوضية بفاعلية، وبصلاحيات كافية لاتخاذ القرارات، بما في ذلك تقديم بعض التنازلات والحصول على أخرى.
وفي ظل ما سبق، يتضح أن أسلوب إدارة المفاوضات وتحديد أولوياتها لم يكن منذ البداية في مسار معالجة جوهر القضية المتمثل في الوحدة والانفصال، إذ لم يتجرأ الطرفان على الدخول في صلب القضية، بسبب تمسك كل منهما بقدسية موقفه؛ فمقديشو تعتبر الوحدة مبدأً ثابتًا لا تقبل المساس به، بينما تتمسك هرجيسا بالانفصال باعتباره مبدأً ثابتًا، وهو ما انعكس على اتساع الهوة بين الطرفين، وحوّل المفاوضات إلى مسار محدود النتائج، يستهلك الوقت دون أن يقترب من معالجة جوهر الخلاف.
مبررات الانفصال
تستند «أرض الصومال» في مساعيها نحو الانفصال إلى عدة تبريرات ترتبط بالأحداث السياسية وطبيعة الحكم التي شهدتها البلاد عقب الاستقلال والوحدة، إلى جانب وضعها قبل الاستقلال وطبيعة تشكل الوحدة، مدعية أنها تمت دون اتفاقيات واضحة تحدد آليات تقاسم السلطة وحصة كل طرف في إدارة البلاد.
وفي صدارة تلك التبريرات، تقول الإدارة إن سكانها تعرضوا لما تصفه بالإبادة الجماعية على يد نظام الرئيس الراحل «محمد سياد بري» خلال ثمانينيات القرن الماضي، أثناء الحرب بين النظام والفصائل المسلحة المعارضة له آنذاك، وتوظف هذه الأحداث في خطابها السياسي لحشد الشارع خلف مشروع الانفصال، من خلال ربط أعمال العنف واسعة النطاق التي شهدتها تلك الفترة بالجنوب، وتصويرها على أنها انتهاكات ارتكبتها دولة جنوبية بحق سكان الشمال.

