«لم يخرج منتصر من الانقسام؛ فقد خسر الطرفان فرص الاستقرار والتكامل، بينما دفع المجتمع الصومالي الثمن الأكبر طوال ثلاثة عقود». عبد العزيز غَدَفْ
في 18 مايو 1991، أعلن إقليم «أرض الصومال» انفصاله من طرف واحد عن جمهورية الصومال، مستفيدا من انهيار الحكومة المركزية وما رافقه من فراغ سياسي وأمني، وانقسامات قبلية وصراعات مسلحة امتدت إلى أجزاء واسعة من جنوب الصومال.
ومنذ ذلك الحين، دخلت الصومال والإقليم الانفصالي مرحلة طويلة من الصراع، اتسمت بالانقسام السياسي وتباين الرؤى بشأن مستقبل الدولة، وتعددت خلالها محاولات الحوار والتفاوض، من دون التوصل إلى تسوية نهائية تحسم الخلاف الشائك بينهما حتى الآن.
لم يعد الخلاف بين «مقديشو» و«هرجيسا» مجرد نزاع سياسي أو مسألة دستورية يمكن حسمها عبر جولة أو جولتين من المفاوضات، بل أصبح قضية مصيرية ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية ودولية متشابكة. ففي الوقت الذي يسعى فيه الإقليم إلى ترسيخ مشروعه السياسي والحصول على اعتراف دولي كامل، تصر الحكومة الصومالية على وحدة أراضي البلاد وسيادتها، ما جعل القضية واحدة من أكثر الملفات تعقيدا في منطقة القرن الأفريقي.
وخلال العقود الماضية، أطلقت مبادرات محلية وإقليمية ودولية بهدف تقريب وجهات النظر بين الجانبين، إلا أنها لم تفض إلى تسوية، ولم تحقق نجاحا يذكر، بسبب تباعد مواقف الطرفين بشأن طبيعة القضية وسبل حسمها.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت القضية أبعادا إقليمية ودولية أكثر تعقيدا، بالتزامن مع تزايد الاهتمام الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، ودخول مصالح وأطراف إقليمية ودولية بصورة أكبر في المشهد.
وبرز ذلك بوضوح في الخلاف الذي أعقب توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا و«أرض الصومال» في يناير 2024، قبل أن تؤكد الصومال وإثيوبيا، في «إعلان أنقرة» الصادر في ديسمبر 2024، احترام سيادة الصومال ووحدتها وسلامة أراضيها.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يطرح السؤال نفسه: ما حجم الهدر الناجم عن هذا الصراع المستمر، وماذا خسر المجتمع الصومالي عموما نتيجة استمرار الانقسام؟ فالتاريخ لا يقاس فقط بما تحقق من مكاسب سياسية، بل أيضا بما فًقد من فرص اقتصادية، وما استُنزف من موارد، وما تعطل من مشاريع، وما ضاع من فرص التكامل والاستثمار والتنمية وبناء مستقبل مشترك.
وانطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لكلفة أكثر من ثلاثة عقود من الصراع، من خلال عرض الخسائر التي تحملتها كل من الصومال و «أرض الصومال» على حدة، ثم التوقف عند مفارقات الصراع بينهما، والإشارة إلى الفرص التي كان يمكن استثمارها لو توصل الطرفان إلى صيغة سياسية أكثر استقرارا وتعاونا.
مفارقات الصراع بين الصومال وإقليم «أرض الصومال»
كشفت العقود الثلاثة الماضية أن الصراع بين الصومال وإقليم «أرض الصومال» كان مسارا دفع فيه الجميع ثمنا باهظا، وإن اختلفت طبيعته وأهدافه وكلفته من طرف إلى آخر. فقد خسرت الصومال جزءا كبيرا من إمكانات الوحدة والتكامل السياسي والاقتصادي، واستنزفت سنوات طويلة في إدارة تداعيات الانقسام، بينما تحمل «أرض الصومال» بدوره تكاليف سياسية واقتصادية وتنموية كبيرة نتيجة استمرار وضعها السياسي والقانوني غير المحسوم.
وتكمن المفارقة الأساسية في اختلاف الهدف الذي سعى إليه كل طرف. فقد خاضت الصومال هذا الصراع أساسا من أجل الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها، وتمكنت إلى حد كبير من الحفاظ على الإطار القانوني والدولي للدولة الصومالية الموحدة.
أما «أرض الصومال»، فقد خاض خلال العقود الماضية مسارا سياسيا ودبلوماسيا يهدف إلى الحصول على اعتراف دولي بوصفه دولة مستقلة، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، وظل وضعها السياسي والقانوني محل خلاف.
وبعيدا عن قياس الصراع بمنطق الغالب والمغلوب، فإن المحصلة الأوسع تتمثل في أن استمراره حرم الطرفين، والمجتمع الصومالي عموما، من فرص كان يمكن أن تكون أكبر بكثير في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والأمن والبنية التحتية والتنمية البشرية. وفي النهاية، كانت هناك خسائر مشتركة أصابت المجتمع الصومالي بمختلف مكوناته.
حجم خسائر الصومال في الصراع مع «أرض الصومال»
لم تقتصر الخسائر والفرص الضائعة التي تكبدتها الصومال نتيجة استمرار قضية «أرض الصومال» لأكثر من ثلاثة عقود على الجانب السياسي، بل امتدت إلى المجالات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
أولا: الخسائر السياسية والدبلوماسية
تمثلت أبرز هذه الخسائر في استمرار الخلاف حول وحدة الدولة وسيادتها، واستنزاف جانب كبير من الجهد السياسي والدبلوماسي في إدارة القضية والدفاع عن موقف الصومال إقليميا ودوليا.
كما اكتسبت القضية أبعادا جيوسياسية متزايدة عقب توقيع «أرض الصومال» مذكرة تفاهم مع إثيوبيا عام 2024، ثم التطورات الإقليمية اللاحقة، بما فيها اعتراف إسرائيل بالإقليم في ديسمبر عام 2025، الأمر الذي جعل القضية أكثر ارتباطا بالتنافس الإقليمي والدولي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ثانيا: الخسائر الأمنية والاستراتيجية
أدى استمرار الانقسام إلى تعقيد بناء منظومة أمنية وطنية متكاملة، ولا سيما في المناطق الشمالية والمناطق المتنازع عليها، التي شهد بعضها توترات وصراعات مسلحة كانت لها كلفة أمنية وإنسانية كبيرة.
وشكل الصراع في «لاسعانود» مثالا بارزا على ذلك، إذ وثقت الأمم المتحدة سقوط مئات الضحايا المدنيين ونزوح أعداد كبيرة من السكان، فضلا عن تضرر البنية التحتية والمنشآت المدنية.
ثالثا: الخسائر الاقتصادية والتجارية
أدى الانقسام إلى ضياع فرص مهمة للتكامل الاقتصادي والتجاري بين مختلف المناطق الصومالية، وأضعف إمكانية بناء سوق أكثر ترابطا، والاستفادة المشتركة من الموانئ والتجارة والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية والثروتين الحيوانية والسمكية.

