«الخطورة الأساسية في احتمال انعكاس الصراع على التعاون الأمني، وأمن الحدود، وحركة التجارة، والأوضاع الإنسانية، خاصة إذا طال أمد الحرب». عبد العزيز غَدَفْ
لا يمكن وصف عودة القتال إلى تيغراي بأنها مجرد انتكاسة جديدة في مسار الصراع الإثيوبي، بل إنها تطور قد تتجاوز ارتداداته حدود إثيوبيا لتصل إلى عمق القرن الأفريقي برمته.
فبعد أربعة أعوام على اتفاقية بريتوريا التي أنهت الحرب الشاملة في شمال إثيوبيا، عادت المواجهات المسلحة بين الجيش الإثيوبي والقوات المعارضة مطلع الأسبوع الماضي إلى الواجهة، في تطور يثير مخاوف حادة من انزلاق إثيوبيا مجددا إلى صراع مماثل لما شهدته سابقا، أو حتى أكثر حدة واتساعا، بما يضع علامات استفهام حول مستقبل الاستقرار الإثيوبي، وقدرة أديس أبابا على إدارة جبهاتها الداخلية والتزاماتها الإقليمية في آن واحد.
وبالنسبة إلى الصومال، لا تبدو هذه التطورات شأنا إثيوبيا داخليا فحسب، بل تحمل أبعادا إقليمية مباشرة، بحكم ارتباط البلدين بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية متشابكة، فضلا عن مشاركة القوات الإثيوبية في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال «أوصوم».
ومن ثم، فإن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يترك تداعيات مباشرة وغير مباشرة على قضايا حيوية بالنسبة إلى الصومال، ولا سيما أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، فضلا عن تأثيره المحتمل في توازنات القرن الأفريقي وإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في المنطقة.
لماذا عادت حرب تيغراي إلى الواجهة؟
لم يكن تجدد القتال في إقليم تيغراي أمرا مفاجئا، بل جاء نتيجة تراكم ملفات سياسية وأمنية تفاقمت بين الطرفين خلال الأشهر الماضية. فقد أنهت اتفاقية بريتوريا، الموقعة في نوفمبر 2022، القتال بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، لكنها تركت قضايا أساسية دون تسوية كاملة، من بينها وضع المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع سلاح القوات، وإعادة دمج تيغراي سياسيا وأمنيا في النظام الفيدرالي الإثيوبي.
وتفاقمت الأزمة مع تصاعد الخلافات السياسية داخل تيغراي خلال المرحلة الأخيرة، وإعادة جبهة تحرير شعب تيغراي تنظيم قدراتها السياسية والعسكرية نسبيا، بالتزامن مع تدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة. كما أضافت الخلافات حول مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الإريترية بعدا إقليميا إلى الأزمة، في وقت أصبحت فيه قضية تيغراي مرتبطة بصورة متزايدة بالتنافس الإثيوبي–الإريتري، خلافا لما كان عليه الوضع خلال الحرب السابقة.
ويعد اتساع دائرة الاصطفافات بين القوى المعارضة التطور الأبرز والمفارقة اللافتة في هذه الجولة؛ إذ أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف معارض للحكومة، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات «فانو» الأمهرية، رغم أن بعضها كان يقاتل في معسكرات متقابلة خلال حرب 2020–2022. وفي هذه الأثناء، تتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم بعض هذه الجماعات المسلحة، بينما تنفي أسمرة هذه الاتهامات.
ومع انخراط هذه الأطراف الفاعلة في الصراع، امتدت دائرة الحرب بسرعة كبيرك إلى إقليمي أمهرا وعفار، بما يوحي بأن الأزمة باتت تتجاوز الخلاف الثنائي بين أديس أبابا وتيغراي، لتتحول إلى أزمة أعمق وأوسع داخل المشهد السياسي والأمني الإثيوبي.
تداعيات تجدد حرب إقليم تيغراي على الصومال
لا تقتصر تداعيات تجدد القتال في تيغراي على الشأن الإثيوبي فحسب، بل تمتد إلى الصومال عبر ثلاثة مسارات مترابطة:
أولا: المسار الأمني
تعد إثيوبيا من الدول الرئيسية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم»، كما تواصل قواتها تنفيذ مهام أمنية داخل البلاد، وخاصة في إقليم جنوب الغرب، الذي تسيطر حركة الشباب الإرهابية على أجزاء واسعة منه.
ومن ثم، فإن اتساع رقعة القتال داخل إثيوبيا قد يدفع أديس أبابا إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية وتوزيع قواتها ومواردها، حتى إذا لم يصل الأمر إلى سحب قواتها من الصومال. وفي المقابل، فإن أي تراجع في مستوى الانخراط العسكري أو التنسيق الأمني الإقليمي قد يخلق ثغرات يمكن أن تستغلها حركة الشباب.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ظل انتقال المسؤوليات الأمنية تدريجيا إلى القوات الصومالية، بما يجعل استقرار البيئة الأمنية الإقليمية عاملا مهما في نجاح عملية الانتقال. وبالتالي، فإن هذا المسار يبدو الأكثر حساسية بالنسبة إلى الصومال.
ثانيا: المسار الاقتصادي
قد تنعكس تداعيات القتال على حركة الاقتصاد عبر الحدود الصومالية–الإثيوبية بصورة تدريجية. فالحدود ليست مجرد خط فاصل بين دولتين، وإنما مجال اقتصادي واجتماعي تتحرك عبره السلع والأفراد، وترتبط به أسواق ومجتمعات تعتمد بدرجات متفاوتة على التجارة العابرة للحدود.
ولذلك، فإن استمرار القتال واتساعه قد يؤديان إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وتعطيل بعض طرق النقل، وزيادة تكاليف التأمين والنقل، فضلا عن التأثير في حركة المواشي والسلع.
وتزداد حساسية هذا المسار إذا امتد عدم الاستقرار إلى المناطق الإثيوبية الأقرب إلى المجال الاقتصادي الصومالي؛ إذ يمكن عندها أن تنتقل تكلفة الصراع من ساحة المعركة إلى الأسواق الحدودية، من خلال ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات وتراجع النشاط التجاري. وعليه، فإن التأثير الاقتصادي المحتمل لا يكمن فقط في حجم التجارة التي قد تتعطل، وإنما في قدرة المجتمعات الحدودية على الحفاظ على مصادر دخلها في بيئة أمنية مضطربة.

