«في هذه المعركة، الطرف الأضعف هو من يخلط بين امتلاك الحجة والقدرة على استخدامها، ويترك خصمه يحدد ساحة المواجهة». موسى أحمد عيسى
عندما اعترفت إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، بدا ميزان القوة لأول وهلة مختلا: دولة ذات نفوذ عسكري وعلاقة وثيقة بالولايات المتحدة في مواجهة الصومال الذي يواجه تحديات أمنية وسياسية ثقيلة.
لكن هذه ليست مواجهة عسكرية بالضرورة، ولا يكفي فيها قياس قوة العواصم بعدد الطائرات أو الحلفاء. السؤال الحقيقي هو كيف تحول مقديشو تمسّك العالم المعلن بوحدة أراضيها إلى موقف عملي يحد من أثر الاعتراف ويمنع تكراره.
تمتلك الحكومة الفيدرالية ورقة أساسية لم تنشأ بعد القرار الإسرائيلي: الصومال دولة عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وحدوده معترف بها دوليا. أما إسرائيل فهي حتى الآن الدولة الوحيدة العضو في الأمم المتحدة التي اعترفت بانفصال الإقليم.
وفي فبراير 2026، رفض قادة الاتحاد الإفريقي خطوتها ودعوا إلى التراجع عنها. تلك ليست ضمانة بانتهاء المشكلة، لكنها قاعدة دبلوماسية وتفاوضية تتيح لمقديشو مخاطبة العالم باسم دولة قائمة، لا باسم طرف يناشد التعاطف وحده.
محكمة العدل الدولية: طريق مفتوح بشروط
هل تستطيع الصومال مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية؟ من حيث الصفة، نعم؛ فالدول تستطيع المثول أمام المحكمة. لكن قبول دعوى بعينها يحتاج إلى أساس لاختصاصها: موافقة الدولتين على عرض النزاع عليها، أو نص في معاهدة تنطبق على النزاع، أو قبول آخر معتبر لاختصاص المحكمة. ولا يكفي أن تصف مقديشو الاعتراف بأنه غير مشروع حتى تصبح المحكمة مختصة بالنظر في دعواها ضد إسرائيل.
لذلك ينبغي للحكومة تكليف فريق قانوني بفحص كل أساس محتمل للاختصاص وتحديد الفعل الذي تريد الطعن فيه، قبل إعلان دعوى قد تتعثر إجرائيا. فإقامة قضية لا تستطيع المحكمة نظرها ستمنح إسرائيل انتصارا إعلاميا لا تحتاج إليه. والقضية الأقوى ليست الأكثر حدة في صياغة الاتهام، بل الأقدر على الإجابة عن سؤال القضاة الأول: لماذا تملكون الحق في رفع هذا النزاع أمامنا بهذه الطريقة؟
وهناك مسار مختلف: يمكن للصومال أن يحشد تأييد الدول الأعضاء في الجمعية العامة لتطلب من المحكمة رأيا استشاريا في سؤال قانوني محدد يتعلق بآثار الاعتراف المنفرد على سيادة دولة عضو وحدودها. لا تستطيع مقديشو طلب هذا الرأي مباشرة باسمها؛ يجب أن يصدر الطلب عن جهاز مخول، مثل الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
والرأي الاستشاري ليس حكما ملزما ضد إسرائيل، لكنه قد يوضح القواعد القانونية ويوفر أساسا للنقاش الدبلوماسي. واختيار صياغة السؤال وتحقيق أغلبية تدعمه عمل سياسي وقانوني يتطلبان إعدادا دقيقا، لا شعارا عن الذهاب إلى لاهاي.
ولا بد أن يدرك الفريق القانوني أن القانون الدولي لا يعتبر كل اعتراف بإقليم انفصالي، في كل الظروف، مخالفة تلقائية قابلة للعقاب القضائي. لذلك لا يكفي الاستشهاد بوحدة الأراضي وحدها؛ بل يلزم بيان الفعل المحدد المنسوب إلى إسرائيل، والقاعدة التي يقال إنها انتهكت، وعلاقة ذلك باختصاص المحكمة. وهذه الدقة لا تضعف موقف الصومال. إنها تحميه من وعد الجمهور بحكم سريع أو بإلغاء قضائي للاعتراف لا يملك أحد ضمانه.
من القرار الإفريقي إلى التزام الدول
أقوى أوراق مقديشو العملية قد تكون إفريقية. فرفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف ليس مجرد بيان تعاطف؛ لقد اتخذ رؤساء دوله موقفا يدعو إلى سحب القرار الإسرائيلي ويحذر من سابقة تمس وحدة الدول الأعضاء. وعلى الدبلوماسية الصومالية أن تنتقل من الترحيب بهذا الموقف إلى متابعة تطبيقه: ما الدول التي ستؤكد صراحة أنها لن تعترف بالإقليم؟ وكيف سينعكس ذلك في لقاءاتها الرسمية واتفاقاتها المستقبلية؟
يمكن لمقديشو بناء مجموعة تنسيق دبلوماسي تضم الدول الإفريقية الأكثر تمسكا بالمبدأ، بالتعاون مع «إيغاد» والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. مهمتها ليست تكرار الإدانة، بل مخاطبة العواصم التي قد تفكر في تقليد إسرائيل، وتوضيح الكلفة الإقليمية للخطوة قبل اتخاذها. كما تستطيع تسجيل اعتراضاتها بصورة منتظمة لدى الأمم المتحدة والهيئات المعنية بأي ترتيبات بحرية أو أمنية، مع التمييز بين التعاون القائم في الإقليم والاعتراف بسيادة منفصلة عليه.
لا ينبغي أن تتحول هذه السياسة إلى مطالبة العالم بقطع الخدمات أو الاستثمار عن السكان. فالإضرار بحياة الناس قد يضعف الحجة الصومالية أخلاقيا وسياسيا. المطلوب هو منع استخدام التعاون التجاري أو الإنساني جسرا لفرض واقع سيادي جديد، والإصرار على أن أي اتفاق يتعلق بالأمن أو الوجود العسكري أو الحقوق السيادية يجب أن يخضع لتدقيق قانوني واضح. هذه سياسة أدق من رفض كل اتصال بالإقليم، وأقدر على حشد شركاء لا يريدون معاقبة سكانه.
وتملك مقديشو ورقة سياسية أخرى في صياغة السؤال المطروح على العالم: هل يقبل الشركاء أن تتحول الموانئ والمواقع الاستراتيجية إلى مقابل للاعتراف بانفصال جزء من دولة عضو؟ هذا السؤال أقرب إلى اهتمامات دول لا تتبنى كل مواقف الحكومة الصومالية، لكنها تخشى أن يصبح الأمن البحري مدخلا لتجاوز الحكومات المعترف بها. ولا يلزم لإثارته إثبات وجود قاعدة إسرائيلية؛ يكفي المطالبة بالشفافية والامتناع عن التعامل مع الاحتمالات بوصفها حقوقا سيادية مكتسبة.

