«لن تحدد الخرائط وحدها مستقبل المجتمع الصومالي؛ ستحدده أيضا قدرة الصوماليين على تجاوز ثنائية «نحن وهم» نحو «الوحدة في التنوع»». د. عبد الوهاب طيب بشير
يمكن أن تنقسم الخريطة في يوم واحد، بقرار أو استفتاء، لكن هل يمكن أن تنقسم العائلات بخلفياتها القبلية والعشائرية في اليوم نفسه؟ هذا السؤال ينبغي أن يسبق كثيرا من الأسئلة السياسية المتعلقة بمستقبل الدولة الصوماليةووحدتها. فالحدود يمكن رسمها، والأعلام والأناشيد يمكن تغييرها، والمؤسسات السياسية يمكن أن تنفصل، لكن المجتمعات لا تُبنى بالخرائط وحدها. هناك خرائط أخرى لا تظهر في الأطالس السياسية: خريطة العائلة، والقبيلة والعشيرة، والمصاهرة، والسوق، واللغة والدين والثقافة والذاكرة. وهذه الخرائط الاجتماعية قد تكون أقدم من الحدود السياسية وأكثر قدرة على الاستمرار.
في الحالة الصومالية، تبدو المسألة أكثر تعقيدا، لأن المجال الاجتماعي والثقافي للصوماليين ظل تاريخيا أوسع من الحدود السياسية التي قسّمت الصومال الكبير بين الصومال وكينيا وإثيوبيا. فالعائلات الممتدة قد تتوزع بين أكثر من منطقة، وشبكات المصاهرة لا تتوقف عند الحدود، والتجارة وحركة السكان تربطان مجتمعات تفصل بينها سلطات سياسية مختلفة، بينما تظل اللغة والعرق والثقافة والدين والذاكرة عناصر مشتركة تتجاوز الجغرافيا السياسية. وقد تتباعد هذه المجتمعات في أنظمة الحكم، فيما تظل صلاتها اليومية ومصالحها متشابكة؛ وهذا ما يجعل قراءة المجتمع من خلال الخريطة السياسية وحدها قراءة ناقصة.
لذلك، فإن الانفصال السياسي، مهما بلغت قدرته على تقسيم الأرض والمؤسسات، سيواجه سؤالا أصعب: هل يستطيع أن يحوّل الحدود السياسية إلى حدود اجتماعية وعائلية؟ هنا تكمن المفارقة؛ فالسياسة تفكر في الأرض بوصفها إقليما وسيادة، بينما يفكر فيها المجتمع بوصفها بيتا وسوقا وعائلة وذاكرة ومسارا للحركة والتفاعل. وقد تكون الحدود، بالنسبة إلى العائلات والقبائل والعشائر، مجرد نقطة عبور داخل شبكة أوسع من العلاقات.
والأسرة هي المثال الأوضح. فالعائلة الصومالية الممتدة ليست رابطة عاطفية فحسب، بل شبكة للمساعدة والتواصل والمعلومات وتحويل الأموال والتنقل والتكافل والحماية. وقد يعيش أفراد العائلة الواحدة في بيئات سياسية مختلفة، لكنهم يظلون مرتبطين بعلاقات لا تعترف بالحدود بالمعنى السياسي نفسه. وتبقى الزيارات والمناسبات العائلية وواجبات التكافل قائمة حتى حين تختلف القوانين التي يخضع لها أفرادها. يستطيع الانفصال أن يغير وضع الخريطة، لكنه لا يستطيع بالسرعة ذاتها أن يمحو تاريخا عائليا يمتد عبر أجيال.
والتجارة تفعل الشيء نفسه بطريقة مختلفة. فالتاجر الصومالي في مقديشو وجيغجيغا وإيسلي وهرجيسا وجيبوتي يرى السوق والطريق والمستهلك والمورد والمخاطر والفرص، لا الحدود كما تراها المؤسسة السياسية. وتربطه بشركاء على جانبي الحدود معرفة وثقة ومصالح لا تنشأ بقرار سياسي ولا تزول معه. وحين تستمر حركة السلع والأموال والأشخاص، تنتج جغرافيا اجتماعية واقتصادية موازية للجغرافيا السياسية. وقد تتغير الحدود، لكن المصالح لا تتغير بالضرورة بالسرعة نفسها.
ثم تأتي الثقافة بوصفها أكثر الخرائط استعصاء على التقسيم. فاللغة الصومالية لا تحتاج إلى جواز سفر، والذاكرة لا تمر عبر نقطة تفتيش، والعادات لا تتوقف عند الخطوط التي رسمها الاستعمار أو المشاريع السياسية. ووجود مجال ثقافي صومالي مشترك لا يعني بالضرورة وحدة سياسية تلقائية، لكنه يجعل إنتاج قطيعة اجتماعية وثقافية كاملة أمرا بالغ التعقيد.
مع ذلك، ينبغي الحذر من فكرة تبدو منطقية لكنها مضللة: استمرار الروابط العائلية والقبلية يعني استحالة الانفصال. فهذا ليس صحيحا بالضرورة؛ إذ يمكن أن تتحول الحدود مع الزمن إلى مؤسسات ومصالح وهويات سياسية. تبدأ الفكرة بحد جغرافي، ثم تصبح واقعا مؤسسيا، ثم مصلحة اقتصادية، وصولا إلى تصور مختلف للذات والآخر، كما تُظهر تجارب جيبوتي والمناطق الصومالية في إثيوبيا وكينيا. ليست المشكلة إذن في رسم خط جديد، بل في قدرة الانفصال، مع مرور الوقت، على إعادة تعريف الإنسان الصومالي داخل الحدود الجديدة.
وهنا يبرز سؤال «العقل القبلي»، الذي يتكرر في أحاديث المدينة ومجالس مقديشو: ليس القبيلة بوصفها مؤسسة اجتماعية، وإنما تحويلها إلى طريقة حصرية لفهم السياسة والهوية والمصلحة. فالقبيلة ليست في ذاتها المشكلة؛ تبدأ المشكلة عندما تصبح إطارا نهائيا لتعريف «من نحن» و«من هم». والإنسان الصومالي لا يعيش داخل هوية واحدة؛ فهو ابن أسرة، وعضو في شبكة قرابة، وساكن في منطقة، وصاحب مهنة، وصومالي ومسلم، وقد يرتبط بشبكة اقتصادية تمتد عبر القرن الأفريقي. لكن العقل السياسي المغلق يختزل هذه الطبقات في هوية واحدة، ثم يحولها إلى حدود سياسية. وهكذا تُقدّم صلة واحدة من صلات الإنسان المتعددة على سائر علاقاته، كأنها وحدها تحدد موقعه السياسي.

