«يبدو مسار المصالحة والتسوية السياسية الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة، لما يتيحه من إمكانية الحد من خطر خروج الصراع.»عمر أبوبكر محمد
في تطور لم يكن متوقعا أن تنزلق إليه الأزمة جنوب الغرب، تشهد الولاية مواجهات دامية بين حكومة آدم محمد نور «مدوبي»، الذي انتخب رئيسا للولاية في الخامس من يوليو الماضي بدعم من الحكومة الفيدرالية، وأنصار الرئيس السابق عبدالعزيز محمد حسن «لفتاغرين»، الذي قاد الولاية لأكثر من سبع سنوات قبل الإطاحة به إثر هجوم شنته الحكومة الفيدرالية في مارس الماضي، على خلفية خلافات بشأن إدارة الانتخابات في الولاية.
بعدها، غادر لفتاغرين برفقة معظم أركان نظامه إلى العاصمة الكينية نيروبي، التي اتخذها مقرا له، وبات يمارس منها نشاطه السياسي بصورة شبه رسمية. لكنه، بعد فترة وجيزة، بدأ تحركا مسلحا ضد الحكومة الفيدرالية والإدارة الجديدة التي تشكلت في بيدوا بدعم منها، فأرسل عددا من وزراء إدارته السابقة والضباط لقيادة التحرك ميدانيا، بالتوازي مع استقطاب السياسيين والمسؤولين الذين بقوا في بيدوا، إلى جانب عناصر الشرطة التابعة لإدارته السابقة، وحشد مليشيات عشائرية، استعدادا لخوض مواجهات تهدف إلى استعادة السيطرة على الولاية.
مواجهة مفتوحة وانسداد في الأفق
لم ينتظر أنصار لفتاغرين طويلا لبدء المواجهات بهدف استعادة بيدوا والعودة إليها بالقوة، إذ شنوا في 14 مايو الماضي هجوما مفاجئا على المدينة، تمكنوا خلاله من قتل ضابطين كبيرين في الجيش الفيدرالي، إلى جانب عدد من عناصره، في خطوة جاءت في وقت كانت فيه الحكومة الفيدرالية منشغلة بإعادة ترتيب أوراقها لضمان انتخاب آدم مدوبي حاكما للولاية.
واصلت قوات لفتاغرين هجماتها العسكرية بعد تسلم آدم مدوبي السلطة، متبعة تكتيك حرب العصابات القائم على شن ضربات خاطفة ضد معسكرات القوات والمناطق الحيوية في المدينة، قبل الانسحاب منها. إلا أن اللافت تمثل في تنامي قوتها وفاعلية عملياتها يوما بعد آخر، وهو ما عكسته مواجهة الثالث من سبتمبر الجاري، التي سقط خلالها عدد من الضباط والقيادات البارزة، بينهم مقربون من آدم مدوبي، بين قتيل وجريح، فيما تمكنت قوات جناح لفتاغرين من الاقتراب من القصر الرئاسي للولاية، مقر إقامة مدوبي.
وفي موازاة ذلك، شهدت صفوف الشرطة التابعة للإدارة الحالية انشقاقات، مع التحاق بعض عناصرها بالقوات الموالية للفتاغرين. كما برزت تغيرات في مواقف بعض السياسيين الذين سبق أن دعموا آدم مدوبي في البداية، أو اختاروا الحياد تجاه التغييرات السياسية التي شهدتها الولاية؛ إذ انتقل بعضهم من دعم مدوبي إلى مساندة حراك لفتاغرين، فيما التزم آخرون الصمت تجاه ما يجري، وهو ما يعكس حجم الانزعاج المتزايد من تطورات الوضع في الولاية، ومن طريقة تعامل إدارة آدم مدوبي مع الأزمة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحكومة الفيدرالية غارقة في رمال هذا الصراع، مع استمرار استنزاف مواردها العسكرية والسياسية، من دون أن يلوح في الأفق مخرج واضح، سواء عبر حسم عسكري قريب أو من خلال تسوية سياسية، في ظل اعتماد آدم مدوبي عليها سياسيا وعسكريا بصورة شبه كاملة، ما يجعله ينظر إليه بوصفه طرفا خارج المعادلة في هذا الصراع.
وعلى الرغم من ظهور مؤشرات في الآونة الأخيرة على إدراك الحكومة الفيدرالية لخطورة استمرار المواجهة، وسعيها إلى البحث عن مسار للمصالحة مع جناح لفتاغرين، برزت معلومات عن عقد الرئيس حسن شيخ محمود، مؤخرا، لقاءات مع سياسيين بارزين مقربين من لفتاغرين، طلب منهم التوسط بينه وبين الأخير، في محاولة لفتح قناة للحوار واحتواء التصعيد.
لكن فرص نجاح هذه الجهود تبدو محدودة في الوقت الراهن، في ظل خطوات تصعيدية اتخذتها الحكومة الفيدرالية لاحقا. وذكرت المصادر أن من بينها فرض عقوبات على لفتاغرين والمقربين منه، تشمل تجميد أصولهم في البنوك المحلية وإلغاء جوازات السفر الدبلوماسية والمدنية المسجلة بأسمائهم، في خطوة تعكس أن المواجهة لم تعد تستثني أي مجال.
ومع ذلك، اتهم جناح لفتاغرين الحكومة الفيدرالية بمحاولة اغتيال الجنرال مهد عبدالرحمن، المقرب من لفتاغرين وأحد أبرز قادة جناحه، إثر استهداف منزله في مدينة «دولو» بمحافظة جدو بغارة جوية، أسفرت عن إصابته ومصرع عدد من رفاقه. لكن الحكومة الفيدرالية نفت هذه الاتهامات، مؤكدة أن الحادث نجم عن انفجار متفجرات كانت موجودة داخل المنزل.
أخطاء في إدارة الانتقال السياسي في الولاية
على الرغم من أن العلاقة بين الحكومة الفيدرالية ولفتاغرين شهدت منذ فترة طويلة فتورا سياسيا، وينظر إليها على أنها كانت تنتظر لحظة انفجار، بفعل الخلافات والارتباطات السياسية السابقة للأخير، فإن الحكومة الفيدرالية حاولت، عندما اشتدت حدة الأزمة، الحيلولة دون تحولها إلى صراع مسلح، إلا أنها لم تنجح في ذلك، وأصرت، في المقابل، على إحداث تغيير سياسي في الولاية وإطاحة لفتاغرين، حتى وإن تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية ضده.
لكن الإشكال لم يكن في إصرار الحكومة الفيدرالية على إحداث تغيير سياسي في الولاية أو إطاحة لفتاغرين بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي أدير بها الانتقال السياسي الذي أعقب الإطاحة به؛ إذ أسندت الحكومة، في البداية، إلى النائب الثاني لرئيس الوزراء، جبريل عبد الرشيد حاجي، مهام قيادة الإدارة المؤقتة في الولاية، في خطوة خالفت دستور الولاية الذي يحدد الجهة التي تنتقل إليها السلطة في حال مغادرة الرئيس منصبه.
ودون منح أي فرصة لتسوية أوضاع المنتمين إلى نظام لفتاغرين، سواء من القوات الموالية له أو من السياسيين في حكومته، شرعت الحكومة في الترتيبات لتنصيب آدم مدوبي رئيسا للولاية، عبر انتخابات ينظر إليها على أنها تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة، وهو ما أثار إحباط السياسيين المؤيدين للتغيير، ممن كانت لديهم طموحات في رئاسة الولاية، أو ممن كان لهم دور في الإطاحة بلفتاغرين، وكانوا يأملون في أن يكون لهم نصيب من المكاسب السياسية المترتبة على إطاحته.

