«لا تُقاس حكمة القيادة بعدد المعارك التي تخوضها، بل بقدرتها على اختيار ما يستحق المواجهة وحماية مصالح الوطن ومستقبله من الاستنزاف». عبد الفتاح إبراهيم محمد تُعدّ قدرة القيادة على ترتيب الأولويات وإدارة الخلافات معيارًا أساسيًا لكفاءة الإدارة السياسية. غير أن التجارب السياسية، قديمًا وحديثًا، تكشف في كثير من الأحيان عن اختلال عميق في هذه المعادلة، حين تنشغل بعض القيادات بقضايا جانبية وتخوض معارك هامشية تستنزف الموارد والإمكانات، على حساب القضايا المصيرية والتحديات السيادية التي يتوقف عليها مستقبل الدولة ومصالح مواطنيها.بين حكمة القيادة واستنزاف المقدراتتؤكد التجارب التاريخية والأدبيات السياسية أن القيادة الرشيدة لا تُقاس بشراسة الخصومات التي تخوضها، ولا بعدد الجبهات التي تفتحها في الداخل، وإنما بقدرتها على حماية الدولة من خلال حسن ترتيب الأولويات. فهناك فارق جوهري بين قيادة تدرك متى تتقدم الملفات ومتى تؤجلها، وإدارة تحوّل كل اختلاف سياسي أو إداري إلى معركة وجودية تستهلك طاقات الأمة.ومن أخطر مظاهر الارتباك السياسي توجيه طاقات الدولة ومؤسساتها نحو صراعات داخلية كان بالإمكان احتواؤها بالحوار والتفاهم والتدبير الحكيم.ويكتسب هذا الخلل أبعادًا أشد خطورة عندما تُستنزف القوات الحكومية والإمكانات العسكرية في مواجهات مع إدارات إقليمية أو أطراف محلية، بسبب خلافات ذات طابع إداري أو سياسي قابلة للتسوية، بينما تواجه البلاد تهديدات أمنية وأخطارًا خارجية تستوجب توجيه تلك القدرات نحو حماية السيادة الوطنية وأمن المواطنين.فالقوة التي يُفترض أن تحمي الدولة من الأخطار الكبرى قد تتحول، نتيجة سوء ترتيب الأولويات، إلى أداة في صراعات داخلية تزيد الانقسام وتضعف المؤسسات.المظاهر السلوكية لاختلال الأولوياتيتجسد الانحراف عن المصلحة الوطنية في مجموعة من الممارسات التي تتكرر في الدول التي تعاني أزمات الحوكمة وضعف المؤسسات.ويأتي في مقدمتها تغليب صراعات النفوذ على كفاءة المؤسسات، عندما تنشغل النخب السياسية بتقاسم المناصب والسيطرة على مراكز القرار، بينما يتراجع أداء الأجهزة التنفيذية وتتضاءل قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.ويظهر الخلل كذلك في استنزاف الموارد من خلال توجيه الميزانيات والطاقات نحو الحملات الإعلامية المتبادلة والسجالات السياسية وتصفية الحسابات، في وقت تعاني فيه قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد أزمات بنيوية تتطلب حلولًا عملية واستثمارات مستدامة.ومن المظاهر الأخرى شخصنة الاختلاف السياسي، حين تتحول الخلافات حول البرامج والرؤى والسياسات العامة إلى خصومات شخصية، تتقدم فيها الرغبة في إقصاء المنافسين والانتقام منهم على البحث عن حلول توافقية تخدم المصلحة العامة.ويزداد الارتباك عندما تعتمد القيادة منطق الهيمنة بدلًا من إدارة الأزمات، فتستهلك جهودها في إثبات قدرتها على فرض الإرادة الأحادية وتهميش الشركاء، عوضًا عن توظيف تلك الجهود في معالجة المشكلات التي يواجهها المواطنون.كما يتجلى اختلال الأولويات في تضخيم الخلافات الإدارية القابلة للتسوية، والانشغال بتفسير الصلاحيات والنزاعات التنظيمية، بينما تتراكم الملفات الأمنية المعقدة وتتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ولا تكمن خطورة هذه الممارسات في كل حالة منفردة فحسب، بل في تراكمها وتحولها إلى نمط سياسي يجعل إدارة الصراع أكثر حضورًا من إدارة الدولة.التاريخ مدرسة معطلة: تجارب لا تصنع وعيًاليس هذا النمط من الإخفاق السياسي حديث النشأة؛ فالتاريخ الإنساني حافل بتجارب دول وممالك ضعفت أو انهارت، ليس بسبب قوة خصومها الخارجيين وحدها، بل نتيجة انشغال نخبها الحاكمة بالصراعات الداخلية والتنافس على السلطة في لحظات مصيرية كانت تتطلب توحيد الصفوف لمواجهة المخاطر المشتركة.وتكمن المأساة الحقيقية، وفق ما تكشفه تلك التجارب، ليس في وقوع الأخطاء بحد ذاتها؛ فالخطأ والاجتهاد الناقص أمران واردان في الممارسة السياسية، وإنما في إعادة إنتاج الإخفاقات نفسها دون استخلاص الدروس منها.فحين تمر الأزمات السابقة أمام أعين القيادات دون أن تُحدث تحولًا في وعيها أو تدفعها إلى مراجعة استراتيجياتها، تصبح الدولة معرضة للدوران في حلقات متكررة من الخلافات والاستنزاف.ولا تكفي قراءة التاريخ أو استحضار أحداثه في الخطابات السياسية ما لم تتحول دروسه إلى قرارات عملية تعيد ترتيب الأولويات وتمنع تكرار الأخطاء.فالقيادة التي لا تتعلم من تجارب الماضي قد تجد نفسها تخوض المعارك ذاتها، وتدفع الأثمان نفسها، بينما تتغير الظروف وتتزايد التحديات. بوصلة الحكمة الوطنيةلا تعني الحكمة السياسية الامتناع عن خوض المعارك أو تجنب المواجهات الضرورية، وإنما القدرة على التمييز بين المعركة الوطنية المستحقة والخلاف الذي يمكن احتواؤه بالحوار والتسوية.كما تتطلب اختيار التوقيت المناسب والوسائل الملائمة لإدارة الخلافات، بما يحفظ هيبة الدولة ووحدتها ومقدرات شعبها، ويمنع تحول الاختلافات السياسية إلى مصادر دائمة للاستنزاف.فالأوطان لا تُبنى بسياسات المغالبة أو بإضعاف المؤسسات في الصراعات الداخلية، وإنما بتنسيق الجهود، وحسن إدارة الموارد، وتقديم المصالح الوطنية العليا على الحسابات الضيقة.وتظل المسؤولية الأساسية للقيادة هي حماية الدولة من الأخطار التي تهدد وجودها ومستقبلها، لا استهلاك قدراتها في معارك يمكن تجاوزها بالحكمة والتوافق.وفي النهاية، لا تُقاس قوة القيادة بقدرتها على الانتصار في كل خلاف سياسي، بل بقدرتها على منع الخلافات من التحول إلى أزمات وطنية.فالقيادة الحكيمة ليست تلك التي تخوض أكبر عدد من المعارك، وإنما التي تعرف أي المعارك تستحق أن تُخاض، وأيها ينبغي تجنبها حتى لا يدفع الوطن ثمنها. عن الكاتب:*عبد الفتاح إبراهيم محمد – كاتب وأستاذ جامعي** الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر منصة «بوابة إفريقيا».