إن فكرة أن الدول تُبنى بالدم والقوة ليست شعارًا—بل هي حقيقة تاريخية. فعبر القرون، لم تنشأ الكيانات السياسية من حسن النية وحده، بل من خلال الصراع والمواجهة وفرض النظام. وبينما توجد انتقالات سلمية، فإنها تظل استثناءات نادرة. وحيث تكون المؤسسات ضعيفة، تصبح القوة الأداة الحاسمة في تشكيل الدولة.
يقع الصومال اليوم ضمن هذا النمط التاريخي، ومع ذلك لا يزال يتصرف كما لو أنه قادر على تجاوزه من خلال التردد وتعدد السلطات. هذا الافتراض ليس مجرد تفاؤل—بل هو أمر خطير.
من حروب الاستقلال إلى الثورات وتوحيد الدول، يُظهر التاريخ باستمرار أن السلطة تُرسّخ عبر القوة عندما تغيب المؤسسات. إن نضالات الاستقلال الأمريكية والجزائرية، والثورات الفرنسية والروسية، وتوحيد ألمانيا، جميعها تؤكد نفس النتيجة: الدول تُصاغ بالدم وتستقر بالسلطة.
ومع ذلك، يظل الصومال عالقًا في مرحلة طويلة من الصراع دون أن ينجح في الانتقال إلى دولة فاعلة. إذ تعمل مراكز قوة متعددة في الوقت نفسه، وكل منها يدّعي الشرعية، دون أن يمتلك أي منها القدرة على فرض النظام.
إن التوترات القائمة بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية ليست خلافات سياسية عادية، بل تمثل تهديدًا بنيويًا لبقاء الدولة نفسها. فعندما تضعف السلطة، تظهر قوى موازية، وتزداد قدرة الأطراف الخارجية على التأثير، وتشتد المنافسة على الموارد، ويصبح العنف أمرًا مألوفًا. وما يُوصف غالبًا باللامركزية قد يتحول فعليًا إلى تفكك، والتفكك، إذا لم يُضبط، يقود إلى الانهيار.
ولا يزال هناك تردد مستمر داخل القيادة السياسية في الصومال لمواجهة حقيقة تاريخية أساسية: لم تنجُ أي دولة أو تستقر دون القدرة والاستعداد لاستخدام القوة. وهذا لا يعني الدعوة إلى العنف العشوائي، بل إلى الاستخدام المشروع والمنضبط والاستراتيجي للقوة ضمن إطار قانوني.
إن تجنب هذه المسؤولية تحت ذريعة الحذر السياسي أدى إلى نتائج متوقعة—ضعف تطبيق القوانين، سيادة انتقائية، تصاعد التحدي السياسي، واتساع نطاق الجهات المسلحة غير الخاضعة للسيطرة. وبعبارة أخرى، فإن غياب القوة لم يُنتج السلام؛ بل أنتج الفوضى.
يقف الصومال اليوم أمام لحظة حاسمة. فإما أن يفرض سلطة الدولة ضمن إطار دستوري واضح—من خلال حماية السيادة، ومساءلة الفاعلين المحليين، وتعزيز المؤسسات، وإدارة الموارد بشكل منظم وعادل—أو أن يستمر في قبول تعدد مراكز القوة، وتآكل السيادة، وتعميق التفكك. وهذا المسار الأخير لا يقود إلى الاستقرار، بل يُرسّخ الأزمة.




