«المكاسب الدبلوماسية تنجز في سنوات قليلة، أما بناء دولة قادرة على استثمارها فيحتاج إلى توافق داخلي وإرادة سياسية طويلة الأمد».عبد طاهر محمد عثمان ليس من السهل على أي متابع للشأن الصومالي أن يتجاهل حجم الحركة التي شهدتها السياسة الخارجية للبلاد خلال الأعوام الأخيرة. فالصومال، الذي ظل فترة طويلة منشغلا بإدارة أزماته الداخلية، وجد نفسه في قلب ملفات إقليمية ودولية كبرى؛ يتفاوض، ويبادر، ويدافع عن مصالحه، ويحاول رسم صورة مختلفة عن تلك التي ترسخت في أذهان العالم طوال العقود الماضية. لذلك، يبدو المشهد اليوم مختلفا عما كان عليه قبل سنوات قليلة. فلم يعد الصومال يذكر حصرا بوصفه دولة تعاني الحرب والهشاشة السياسية، بل أصبح اسمه يرتبط أيضا بعضويته في المنظمات الإقليمية، وحضوره في المؤسسات الدولية، وقدرته على بناء شراكات مؤثرة مع قوى إقليمية ودولية. ولعل أبرز ما يلفت الانتباه قرار مجلس الأمن رفع حظر السلاح المفروض على الحكومة الصومالية منذ أوائل التسعينيات. ولم يكن الاحتفاء بالقرار نابعا من بعده العسكري وحده، بل أيضا من الشعور بأن مرحلة طويلة من القيود الدولية تقترب من نهايتها. فقد رأى فيه كثير من الصوماليين اعترافا بأن دولتهم أصبحت أكثر قدرة على إدارة شؤونها الأمنية بنفسها، وأن صورتها لدى المجتمع الدولي بدأت تتغير تدريجيا. وفي الاتجاه نفسه، حمل انضمام الصومال إلى مجموعة شرق أفريقيا دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر. فالدولة التي أمضت سنوات طويلة وهي تنظر إلى الداخل بدأت تبحث عن موقعها داخل محيطها الإقليمي، وهو ما مثل إعلانا واضحا بأن مستقبل الصومال لا يرتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة فحسب، بل أيضا بالاندماج في شبكات التجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي. صحيح أن المواطن الصومالي لم يلمس بعد نتائج اقتصادية كبيرة لهذه الخطوة، لكن قيمة الانضمام تكمن في أنه يضع البلاد على مسار مختلف؛ يقوم على الانفتاح والتكامل بدلا من العزلة والانكفاء. كما حملت عودة الصومال إلى مجلس الأمن الدولي، عضوا غير دائم للفترة 2025-2026، دلالة خاصة. فمن تابع جلسات المجلس خلال العقدين الماضيين يتذكر أن الصومال كان غالبا موضوعا للنقاش، لا طرفا مشاركا فيه. أما اليوم، فقد أصبح يمتلك مقعدا داخل أهم مؤسسة دولية معنية بقضايا السلم والأمن. وقد لا يمنح هذا المقعد الصومال نفوذا استثنائيا في السياسة العالمية، لكنه يعكس تحولا معنويا لا يمكن تجاهله؛ فمكانة الدول تقاس أحيانا بمدى حضورها وتأثيرها داخل المؤسسات الدولية. وخلال هذه السنوات، وحتى قبلها، برزت تركيا بوصفها الشريك الخارجي الأكثر حضورا في المشهد الصومالي. ولهذا، يصعب الحديث عن تطور العلاقات الخارجية للصومال من دون التوقف عند الدور التركي، سواء عبر التدريب العسكري والبنية التحتية والاستثمار، أم من خلال الوساطة السياسية. وقد ظهر هذا الدور بوضوح خلال الأزمة التي اندلعت عقب توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» الانفصالي مطلع عام 2024، عندما تحولت أنقرة إلى ساحة للحوار وتقريب المواقف. وبصرف النظر عن تفاصيل الاتفاقات والمفاوضات، أظهرت الأزمة أن الصومال بات يمتلك شركاء قادرين على الحضور عندما تتعرض مصالحه الحيوية للاختبار. لكن الأزمة ذاتها كشفت وجها آخر للقصة. فإذا كان تعامل الصومال معها قد حظي بإشادة واسعة، فإن وصول الأمور إلى تلك المرحلة أثار تساؤلات حول قدرة الدولة على قراءة التحولات الإقليمية واستباقها. فقد جاءت المذكرة مفاجئة لكثير من المراقبين، وأعادت التذكير بأن القرن الأفريقي لا يزال منطقة شديدة الاضطراب وسريعة التحول. ومن زاوية أخرى، برزت مفارقة لافتة رافقت السياسة الخارجية الصومالية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تحقق حضورا متزايدا في الخارج، كانت الخلافات الداخلية تعود بين حين وآخر لتفرض نفسها على المشهد.فالعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات لم تخل من التوتر، كما أرسلت الخلافات السياسية المتكررة أحيانا رسائل متناقضة إلى الشركاء الخارجيين. والحقيقة أن أي دبلوماسية، مهما بلغت من النشاط والنجاح، تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة حتى تحقق كامل أهدافها؛ فالدولة التي تختلف مؤسساتها وقواها السياسية حول القضايا الأساسية يصعب عليها تقديم موقف موحد أمام العالم. وفي معظم الملفات الكبرى، ظل الاعتماد على الشركاء الخارجيين حاضرا. فمن الأمن إلى التنمية والوساطات السياسية، لعبت أطراف خارجية أدوارا لا يمكن إنكارها. وقد يكون ذلك أمرا طبيعيا بالنسبة إلى دولة لا تزال تمر بمرحلة إعادة البناء، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا قديما ومتجددا: إلى أي مدى تستطيع الدولة الحفاظ على استقلال قرارها عندما تصبح حاجتها إلى الآخرين كبيرة إلى هذا الحد؟ أما اقتصاديا، فبقيت النتائج دون سقف التوقعات. فقد نجحت الدبلوماسية في تحسين صورة الصومال، وفتح قنوات جديدة للتواصل، وجذب الاهتمام الدولي، غير أن التحديات المرتبطة بالأمن والبنية التحتية والبيئة الاستثمارية لم تتراجع بالوتيرة ذاتها. ولهذا، لم تتحول الإنجازات السياسية بعد إلى طفرة اقتصادية يلمسها المواطن في حياته اليومية. ومع ذلك، يصعب إنكار أن الصومال خرج من هذه المرحلة بمكانة أفضل مما كان عليه في بدايتها؛ فقد أصبحت علاقاته الخارجية أوسع، وحضوره الإقليمي أكثر وضوحا، وصوته في الدفاع عن سيادته ومصالحه الوطنية أكثر قوة. ومع ذلك، ما زالت أسئلة جوهرية تنتظر الإجابة: هل تستطيع الدولة الحفاظ على هذا الزخم الدبلوماسي؟ وهل يمكن تحويل الشراكات الخارجية إلى استقرار سياسي وتنمية اقتصادية؟ وهل تنجح النخبة السياسية في بناء توافق داخلي يواكب ما تحقق في الخارج؟ قد تكون هذه الأسئلة أهم من تعداد الإنجازات نفسها؛ لأنها تتصل بقدرة البلاد على صون تلك المكاسب والبناء عليها. فالمكاسب الدبلوماسية يمكن تحقيقها خلال سنوات قليلة، أما بناء دولة قادرة على توظيفها فيتطلب وقتا أطول وجهدا أكثر استدامة.وبين ما تحقق فعلا وما لا يزال مؤجلا، تواصل البلاد رحلتها نحو تثبيت موقعها في الداخل والخارج معا. ** ع...