في 13 فبراير 2026، عرض معهد سَلْطِغ في مقديشو تقريرًا بحثيًا بعنوان: «العلاقة الاستراتيجية بين حركة الشباب والحوثيين والتهديد الأمني للمنطقة والعالم». ويعرّف المعهد نفسه، الذي أسسه مستشار الأمن القومي الصومالي السابق حسين معلم، بأنه مركز وطني مستقل يُعنى بإنتاج دراسات أمنية قائمة على الأدلة وتقديم حلول منبثقة من الواقع المحلي.
يتناول التقرير ملامح علاقة آخذة في التشكل عبر ممر مائي ضيق لكنه بالغ التأثير. فالصومال واليمن يتواجهان على ضفتي خليج عدن، ذلك الشريان البحري الذي يصل بحر العرب بالبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب. وعلى مدى قرون، كان هذا الفضاء جسرًا مفتوحًا لعبور التوابل والمواشي والبن والبشر، رابطًا إفريقيا بالجزيرة العربية في حركة تبادل مستمرة.
غير أن التقرير يرى أن هذا الجسر ذاته بات يُستخدم اليوم لأغراض أشد خطورة.
في ظلام الليل، تتحرك قوارب صغيرة بصمت بين السواحل. لم تعد الحمولات مواد غذائية أو بضائع تجارية، بل أسلحة. ولم يعد العابرون تجارًا، بل عناصر عملياتية. ولم تعد التبادلات ذات طابع تجاري، بل تحمل أبعادًا استراتيجية واضحة.
ويؤكد التقرير أن هذه العلاقة لا تقوم على تقارب أيديولوجي أو تحالف معلن، بل على حسابات عملية دقيقة ومصالح متبادلة.
على الجانب الصومالي، تواجه حركة الشباب ضغوطًا متزايدة بفعل العمليات العسكرية والعقوبات المالية وتشديد المراقبة. وللاستمرار، لم يعد السلاح التقليدي كافيًا؛ فهي تحتاج إلى تقنيات متطورة، من بينها الطائرات المسيّرة، وخبرات متقدمة في تصنيع المتفجرات، وقنوات تمويل قادرة على تفادي أنظمة التتبع. كما تحتاج إلى خطوط إمداد يصعب رصدها أو تعطيلها.
أما على الجانب اليمني، فيسيطر الحوثيون على موانئ محورية على الساحل الغربي، أبرزها مدينة الحديدة. وتحت وطأة الحصار والضغوط الدولية، يبحثون عن مسارات تجارية بديلة وآليات مالية أقل خضوعًا للرقابة، إلى جانب سعيهم لتوسيع نفوذهم نحو القرن الإفريقي.
وهكذا تتحول الجغرافيا إلى فرصة.
توفر حركة الشباب امتدادًا ساحليًا طويلًا وشبكات تهريب راسخة وخبرة متراكمة في نقل البضائع بعيدًا عن الأنظار. وفي المقابل، يقدم الحوثيون أسلحة متطورة وتدريبًا تقنيًا، بما في ذلك أنظمة الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة المطورة وخبرة اكتسبوها من سنوات الحرب غير المتكافئة. ليس الأمر تحالف عقيدة، بل تبادل ضرورة.
آليات التعاون
يشير التقرير إلى أن التعاون لا يجري بعشوائية، بل عبر قنوات منظمة تتقاطع فيها التجارة والاستخبارات والتنسيق غير المعلن.
على المستوى الظاهري، تبدو العمليات طبيعية: شحنات وقود، صادرات فحم، تجارة ذهب عبر وسطاء. تغادر قوارب الصيد السواحل الصومالية كما اعتادت منذ أجيال، وتتحرك سفن صغيرة من الموانئ اليمنية. لكن خلف هذه الأنشطة المشروعة، تنتقل شحنات أخرى مخفية داخل الحاويات أو تحت البضائع: بنادق وذخائر ومكونات لطائرات مسيّرة.
أما الأموال، فتتحرك عبر أنظمة الحوالة غير الرسمية، بعيدًا عن البصمات المصرفية التقليدية. في مدن مثل بوصاصو وجيبوتي وصنعاء، يدير وسطاء موثوقون عمليات تسوية مالية عبر رسائل مشفرة وحسابات متوازنة.
ويفيد التقرير بأن عناصر مرتبطة بالحوثيين قدموا تدريبًا متخصصًا لعناصر من حركة الشباب، خصوصًا في مجالي الطائرات المسيّرة والمتفجرات المتقدمة. وفي المقابل، تنقل الحركة خبرتها الطويلة في العمل المسلح داخل بيئة صومالية معقدة، بما يشمل جمع المعلومات المحلية والتكيف مع تضاريس متغيرة.
وفوق هذه المستويات، توجد شبكة تنسيق أكثر هدوءًا يديرها وسطاء وشخصيات ذات صلة استخباراتية، دون اتفاقات رسمية أو بيانات معلنة. فالشراكة، بحسب التقرير، ليست عفوية، بل منظمة ومحسوبة ومبنية على قابلية الإنكار.
إعادة التموضع الاستراتيجي
لطالما ارتبطت حركة الشباب بتنظيم القاعدة، وحافظت على صلات مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. غير أن التحولات التي شهدها المشهد الجهادي العالمي، بما فيه من انقسامات وتنافسات، دفعتها إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
يوضح التقرير أن الحركة باتت تميل إلى قدر أكبر من الاستقلالية، مع تركيز واضح على إدارة المناطق التي تسيطر عليها، وفرض الجبايات، وتنظيم مواردها. فالقوة، في هذا السياق، لا تُمارس عبر السلاح فقط، بل عبر الإدارة والسيطرة على مصادر الدخل.
وبناءً على ذلك، تُقيّم التحالفات الخارجية بميزان المنفعة لا بميزان الانتماء الفكري: ما الذي يمكن الحصول عليه؟ وما الذي يمكن تقديمه؟ وما المكاسب الاستراتيجية المتوقعة؟
بهذا المنطق، يصبح التعاون عبر خليج عدن امتدادًا لبراغماتية عملية أكثر منه اندماجًا أيديولوجيًا.




