«المدينة ليست مجرد مبان وطرق وأسواق، فشخصيتها الحقيقية تكمن في سكانها وقدرتهم على العيش والعمل وبناء المستقبل معا». محمد معلّمو
نادرا ما كانت أكثر مدن العالم حيوية وازدهارا، عبر التاريخ، حكرا على جماعة واحدة. فقد ازدهرت هذه المدن لأن أشخاصا ينتمون إلى أعراق وثقافات ومناطق وخلفيات اجتماعية مختلفة حملوا معهم مهارات وأفكارا وتقاليد وصلات تجارية جديدة. ووسع التنوع أسواقها، وأثرى حياتها المدنية، وشجع فيها الابتكار.
وكان هذا النمط واضحا في الصومال أيضا. فالمدن التي سكنها أبناء عشائر ومناطق مختلفة كانت، في الغالب، أكثر نشاطا تجاريا وتطورا اجتماعيا وحيوية ثقافية من التجمعات التي تهيمن عليها جماعة واحدة. وقد شجع التفاعل عبر الحدود العشائرية والمناطقية التجارة والتعليم والحرف وتبادل الأفكار، كما علّم السكان بناء علاقاتهم على أساس الجيرة والعمل والزواج والتعليم والمصالح المشتركة، لا على أساس النسب وحده.
لكن التنوع، في حد ذاته، لا يضمن التقدم. ولكي يتحول إلى مصدر قوة، لا بد أن تحميه منظومة من الأمن والعدالة والحكم الشامل وتكافؤ الفرص والقوانين التي تصون حقوق كل مواطن. ففي غياب هذه الأسس، يمكن استغلال الاختلافات وتحويل المنافسة الصحية إلى انعدام للثقة وتوتر اجتماعي. ولا يزدهر التنوع إلا عندما يشعر الناس بأنهم متساوون في الحماية والتقدير.
قبل أن تتوسع المدن الصومالية الحديثة، كان جزء كبير من السكان يعيش في الأرياف. وكان كثير من الصوماليين رعاة تعتمد سبل عيشهم على الثروة الحيوانية والمراعي والتنقل الموسمي، بينما انتمى آخرون إلى مجتمعات زراعية وقرى للصيد ومراكز تجارية ساحلية صغيرة.
ومع مرور الوقت، توسعت التجارة وازدادت حركة الموانئ وتحسن الوصول إلى التعليم والوظائف الحكومية والخدمات العامة. وجذبت هذه التطورات أعدادا متزايدة من سكان الريف إلى البلدات والمدن. واستقرت أسر من عشائر ومناطق مختلفة جنبا إلى جنب، لتتشكل مجتمعات حضرية جديدة ربطت بينها التجارة والعمل والتعليم والزواج وعلاقات الجيرة اليومية.
وتحولت هذه المدن المختلطة تدريجيا إلى مراكز للتجارة والمعرفة والثقافة والإدارة. وتعرف سكانها إلى عادات وأفكار تتجاوز محيط عشائرهم المباشر، ودخل التجار أسواقا أوسع، وتبادل المهنيون المعرفة والخبرات، وتعلم المواطنون العاديون التعاون مع أشخاص تختلف خلفياتهم عن خلفياتهم.
وكانت مقديشو وكيسمايو ومركا وبيدوا وجوهر وبلدوين وعيل بور وبوصاصو من بين المدن الصومالية التي عاشت فيها، على مدى أجيال، جماعات تنتمي إلى عشائر ومناطق مختلفة. كما احتضنت بعض هذه المدن سكانا من أصول غير صومالية أصبحوا جزءا من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي، وأسهموا في التجارة والحرف والصيد والزراعة والحياة الثقافية.
وأصبحت هذه المدن ملتقى للتجار والعلماء والموظفين الحكوميين ورجال الدين والحرفيين والعمال القادمين من مختلف أنحاء البلاد. ومنحها تنوعها طاقة خاصة، فوسع نطاق التجارة، وعزز الوصول إلى المعرفة، وقوى مكانتها في الحياة الوطنية. ولم يكن تطورها وليد المصادفة، بل نتاج التفاعل المستمر بين أشخاص يمتلكون تجارب وقدرات وصلات مختلفة.
وتؤكد تجارب المدن الكبرى حول العالم هذا الدرس. فالوافدون من دول ومجتمعات مختلفة لا يجلبون معهم قوة العمل فحسب، بل يحملون أيضا اللغات والمعرفة ورؤوس الأموال والمهارات المهنية والطموح الريادي والشبكات الدولية.
وقد أظهرت أبحاث أجريت في مدن أمريكية وجود علاقة إيجابية بين التنوع الثقافي والإنتاجية الاقتصادية الحضرية. وتفسير ذلك ليس معقدا؛ فالأشخاص القادمون من خلفيات مختلفة غالبا ما يمتلكون مهارات متكاملة وينظرون إلى المشكلات من زوايا مختلفة. وعندما تتاح لهم فرصة العمل معا، يمكن لهذه الاختلافات أن تثمر شركات وتقنيات وأشكالا جديدة من الإبداع.
وتقدم نيويورك أحد أوضح الأمثلة على ذلك. فعلى مدى أجيال، استقبلت المدينة أشخاصا من أوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وتقريبا من جميع أنحاء العالم. وأسهمت هذه المجتمعات في بناء مؤسساتها المالية ووسائل إعلامها وصناعاتها ومطاعمها وحركاتها الفنية وشركاتها التكنولوجية. ولا تنبع قوة نيويورك من حجم سكانها فحسب، بل من ذلك التركيز الاستثنائي للغات والمهارات والثقافات والروابط العالمية داخلها.
وتقدم لندن تجربة مماثلة. فقد أسهمت أجيال متعاقبة من المهاجرين في قوتها العاملة وجامعاتها وشركاتها وأدبها ومطبخها وإعلامها وهويتها الثقافية. وعزز تنوعها مكانتها مركزا عالميا للمال والتعليم والدبلوماسية والفنون. والطابع الدولي للندن ليس مجرد سمة من سمات المدينة، بل أحد الأسس التي يقوم عليها نفوذها.
أما تورونتو، التي ينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها واحدة من أكثر مدن العالم تنوعا، فقد أقرت رسميا بأن النجاح الاقتصادي على المدى الطويل يتطلب مشاركة أبناء جميع المجتمعات في سوق العمل والمشروعات والحياة العامة. ولذلك طورت سلطاتها سياسات تهدف إلى تقليص العوائق التي تواجه المهاجرين والأقليات والعمال ورواد الأعمال. لكن تجربة تورونتو تقدم أيضا تحذيرا مهما: فالتنوع قد يساعد على تحقيق الازدهار، إلا أن ضمان توزيع ثماره بصورة عادلة يتطلب سياسات مدروسة ومتعمدة.
وتقدم سنغافورة مثالا آخر جديرا بالتأمل. فسكانها ينتمون إلى جماعات صينية وملايوية وهندية وغيرها. ومع مخاوف من أن يؤدي الفصل السكني إلى تعميق الانقسامات العرقية، أدخلت الحكومة عام 1989 «سياسة التكامل العرقي»، بهدف منع مجمعات الإسكان العام من التحول إلى جيوب سكنية مغلقة على جماعات عرقية بعينها. ومن خلال تشجيع الأسر ذات الخلفيات المختلفة على العيش في الأحياء نفسها، واستخدام الفضاءات العامة ذاتها، وإرسال أطفالها إلى المدارس القريبة، سعت سنغافورة إلى جعل التفاعل اليومي أساسا للتماسك الاجتماعي.

