لا يمكن فهم الترامبية، ولا التيارات اليمينية المتشددة المشابهة لها في أوروبا وأميركا، بوصفها مجرد احتجاج سياسي على النخب أو العولمة أو السياسات الليبرالية. فهذه التفسيرات، رغم صحتها الجزئية، لا تلامس جوهر الظاهرة. في العمق، نحن أمام حالة هلع جماعي من تغيّر العالم، وتحديدًا من تغيّر ميزان السكان والقوة، وما يحمله ذلك من نهاية امتيازات تاريخية اعتادت عليها فئات بعينها.
الترامبية وأخواتها ليست مشاريع لبناء مستقبل جديد، بل محاولات يائسة للهروب من واقع يتشكل بالفعل، ولإنكار تحولات لم تعد قابلة للإيقاف.
الخوف الحقيقي: فقدان المركز لا فقدان السلطة فقط
الخوف الذي يغذي هذه التيارات ليس اقتصاديًا بحتًا، ولا أمنيًا كما يُروَّج له، بل هو خوف من فقدان “المركز”.
فلسنوات طويلة، بل لقرون، كان الغرب—وخاصة المجتمعات البيضاء المسيحية—في موقع القيادة العالمية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. كان العالم يُدار وفق معاييره، وتُقاس الشرعية بمدى القرب منه.
اليوم، يتغير هذا الواقع. فالصين والهند وجنوب شرق آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية لم تعد أطرافًا هامشية، بل قوى صاعدة سكانيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا. هذا التحول لا يحتاج إلى نظريات مؤامرة؛ الأرقام وحدها كافية لتأكيده.
بالنسبة لليمين المتطرف، لا يُقرأ هذا التغير بوصفه انتقالًا طبيعيًا للقوة، بل كتهديد وجودي، وكأن العالم يُنتزع منهم لا يُعاد توازنه.
الديموغرافيا: الرقم الذي لا يمكن إنكاره
في قلب هذا الهلع تقف الديموغرافيا. فأوروبا وأميركا وروسيا واليابان تواجه مجتمعات تشيخ بسرعة، ومعدلات مواليد متراجعة، وقوى عاملة تتقلص.
في المقابل، تمتلك إفريقيا وجنوب آسيا مجتمعات شابة، متزايدة العدد، وأكثر انخراطًا في التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد الحضري.
هذا الفارق لا يعني فقط اختلافًا في عدد السكان، بل في مستقبل النفوذ، والأسواق، والقوة السياسية.
ولهذا، تتحول قضايا مثل الهجرة، والتنوع الثقافي، والهوية إلى عناوين مركزية في خطاب الترامبية وأشباهها. فالمشكلة ليست في الهجرة بحد ذاتها، بل في ما ترمز إليه: عالم لم يعد أبيض كما كان.
من السياسة إلى الانغلاق
بدل التعامل مع هذه التحولات بواقعية وتخطيط، تختار الترامبية طريق الانكفاء.
فالهجرة تُقدَّم كغزو.
والتعددية تُصوَّر كتهديد للهوية.
والتعاون الدولي يُشيطَن باعتباره ضعفًا أو تنازلًا.
بهذا المنطق، يصبح المستقبل خطرًا يجب منعه، لا فرصة يجب الاستعداد لها. ويُعاد تعريف القوة على أنها القدرة على الإغلاق والمنع، لا على التكيف والتجديد.
الإعجاب بالأنظمة الصلبة
عندما تفقد الديمقراطية الليبرالية قدرتها على طمأنة هذه التيارات، تبدأ بالتحول من قيمة إلى عبء.
التعدد، وحرية التعبير، وتداول السلطة تُنظر إليها كعوامل تفكك، لا كعناصر قوة.
من هنا يأتي الإعجاب بأنظمة “الرجل القوي”؛ أنظمة تفرض النظام بالقوة، وتُخضع المجتمع باسم الهوية والانضباط.
ليس غريبًا، في هذا السياق، أن تُبدي الترامبية تعاطفًا مع نماذج سلطوية، لا لأنها ناجحة اقتصاديًا، بل لأنها تبدو متماسكة ثقافيًا ومغلقة ديموغرافيًا.
وهم التحالف الحضاري




