حين يصبح الاعتراف مدخلا إلى ترتيبات أمنية خارج التوافق الإقليمي، لا يعود الخلاف محصورا في حدود الصومال، بل يمتد إلى جواره ومياهه».
اعتادت منطقة القرن الإفريقي التعامل مع ملف «أرض الصومال» بوصفه خلافا سياسيا معقدا بين مقديشو وهرجيسا. لكن اعتراف إسرائيل بالإقليم في ديسمبر 2025 نقل الخلاف إلى مستوى آخر. فمنذ ذلك الحين، لم تعد المسألة مقصورة على سؤال الانفصال، بل باتت تتصل بموقع قوة شرق أوسطية في خليج عدن، وبكيفية استجابة الدول المجاورة لخطوة اتُّخذت خارج أي تسوية صومالية أو توافق إفريقي.
تحتفل هرجيسا باعتراف طال انتظاره، وتراه دليلا على إمكان كسر عزلتها الدبلوماسية. غير أن السؤال الإقليمي لا يتعلق بما حققته في علاقتها الثنائية مع إسرائيل وحدها؛ بل بما قد يترتب على هذه العلاقة إذا تحولت إلى تعاون أمني مؤثر في موازين المنطقة. فالاعتراف يمنح طرفا خارجيا منفذا سياسيا إلى نزاع لم يُحسم، ويضع جيرانه أمام ضرورة إعادة حساباتهم.
الاتحاد الإفريقي أمام اختبار السيادة
كان الرد الإفريقي واضحا: رفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف، ثم أكد قادة دوله في فبراير 2026 تمسكهم بسيادة الصومال ووحدته، ودعوا إلى التراجع عنه. وهذا موقف له وزن سياسي يتجاوز التضامن مع مقديشو. فالمنظمة تخشى أن تتحول قرارات دول من خارج القارة بشأن نزاعاتها الداخلية إلى أداة لإعادة رسم خريطتها، في وقت لم تنته فيه خلافات الحدود والتمثيل في مناطق إفريقية عديدة.
صحيح أن أنصار استقلال «أرض الصومال» يستندون إلى تاريخها الخاص، بما فيه استقلالها القصير عام 1960 قبل الاتحاد مع الشطر الجنوبي. ومن الضروري أخذ هذا الطرح بجدية عند بحث مستقبل العلاقة بين الطرفين. لكنه لا يلغي حقيقة أن الاتحاد الإفريقي يتعامل مع الصومال دولة واحدة، وأن قرار إسرائيل لم ينتج اتفاقا بين مقديشو وهرجيسا ولا إطارا إفريقيا لمعالجة الخلاف. الاعتراف الأحادي قد يرفع سقف مطالب أحد الطرفين ويضيّق مجال التسوية بدلا من تقريبها.
هنا تقع الخسارة السياسية الأوسع: إذا أصبحت العلاقات الخارجية بديلا عن التفاهم الداخلي، ستزداد صعوبة إقناع أي طرف بتقديم تنازل. وقد تجد مقديشو نفسها مضطرة إلى الدفاع عن وحدة الدولة في مواجهة وقائع دبلوماسية متراكمة، فيما ترى هرجيسا أن التفاوض مع الحكومة الفيدرالية لم يعد السبيل الوحيد لنيل ما تريد. هذه معادلة تؤخر التسوية وتزيد احتمال تحويل كل خطوة خارجية إلى أزمة جديدة.
الجوار بين البحر والسياسة
بالنسبة إلى جيبوتي وإثيوبيا، لا تبدو القضية مجرد نقاش قانوني حول الاعتراف. جيبوتي معنية باستقرار الضفة الإفريقية لخليج عدن وبأمن الممرات البحرية التي ترتبط بها مكانتها الإقليمية. وإثيوبيا، التي تبحث منذ سنوات عن منافذ بحرية، معنية بأي تغيير يمس وضع الموانئ واتفاقات استخدامها. لكن اختلاف مصالح الجارتين لا يعني أنهما ستتعاملان مع الخطوة الإسرائيلية بالطريقة نفسها، أو أن إثيوبيا ستسير حتما في طريق الاعتراف.
كل مبادرة تخص ميناء أو ممرا أو ترتيبا أمنيا ستخضع الآن لتدقيق أكبر: هل هي تعاون تجاري مشروع، أم اعتراف ضمني بسلطة مستقلة، أم خطوة تمهد لوجود عسكري جديد؟ هذا الالتباس وحده كاف لزيادة التوتر بين عواصم المنطقة. كما يضع القوى العربية وتركيا، المنخرطة بدرجات مختلفة في أمن البحر الأحمر والصومال، أمام سباق نفوذ لا تحتاج إليه منطقة مثقلة بالأزمات.
خليج عدن: مخاطر عسكرة الخلاف
يقع ساحل «أرض الصومال» على خليج عدن، قرب طريق الملاحة المؤدي إلى باب المندب، وإن كان الإقليم لا يسيطر على المضيق نفسه. هذه الجغرافيا تفسر اهتمام إسرائيل بالتعاون مع هرجيسا في قضايا الأمن البحري، خصوصا مع استمرار التوتر على الجانب اليمني من البحر الأحمر. وقد بات التقارب السياسي بين الطرفين علنيا بعد زيارات رسمية وتبادل تمثيل دبلوماسي، فيما تحدث مسؤولون في هرجيسا عن تدريب أمني إسرائيلي، مع نفيهم وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية.
ينبغي التمييز هنا بين ما أُعلن وما يُتداول بشأن المنشآت العسكرية. فوجود تعاون أمني لا يثبت، بذاته، قيام قاعدة إسرائيلية دائمة أو استخدام الأراضي الصومالية في عمليات ضد اليمن. لكن غياب الوضوح حول حدود هذا التعاون يخلق مشكلة أمنية حقيقية؛ إذ قد تتعامل أطراف إقليمية وجماعات مسلحة مع الاحتمالات بوصفها تهديدات قائمة، فتبدأ حسابات الردع والرد المضاد قبل التحقق من الوقائع.
وفي ظل تجدد القتال قرب باب المندب، يصبح هذا الغموض أكثر حساسية. إذا استُخدم أي موقع على الساحل الإفريقي لمراقبة خصوم إسرائيل أو المشاركة في مواجهتهم، فسيكون من الصعب إبقاء الإقليم خارج دائرة الاستهداف. أما إذا ظل التعاون محدودا وشفافا ومخصصا لحماية الملاحة، فإن فرص احتواء التوتر تبقى أوسع. الفارق بين المسارين تحدده القرارات الفعلية، لا الصور الدبلوماسية وحدها.
وتوجد كلفة أقل ظهورا لهذا الغموض: أمن البحر يعتمد على تبادل المعلومات بين سلطات الموانئ وخفر السواحل والدول المطلة. فإذا تعاملت مقديشو وهرجيسا مع أي تعاون بحري باعتباره اختبارا للسيادة، يصبح الاتفاق على مراقبة التهريب وإنقاذ السفن أصعب. وحين تتنازع جهات عدة صلاحية التحدث باسم الساحل نفسه، قد تستفيد الشبكات المسلحة والمهربون من الفجوات التي يتركها غياب التنسيق.
مساحة جديدة لدعاية الجماعات المسلحة
للخطوة بعد أمني داخل الصومال أيضا. فحركة الشباب تبحث دائما عن قضايا تستثمرها لتجنيد عناصر جديدة، ويمكنها تصوير الاعتراف الإسرائيلي دليلا على تدخل خارجي في البلاد. ولا تعني هذه الإمكانية أن الاعتراف سيتسبب تلقائيا في هجمات جديدة؛ لكنها تمنح التنظيم مادة دعائية إضافية في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى تركيز مواردها على مواجهته. وكلما انشغلت القوى الصومالية بصراع الشرعية فيما بينها، تقلصت قدرتها على التنسيق الأمني.

