«حماية الطفل الصومالي لا تتحقق بالجدل حول التحفظات وحده، بل بتشريعات وطنية فعالة تحترم الدستور وتضمن حقوق الأطفال ورعايتهم وحمايتهم». عبد طاهر محمد عثمانحين وقف النائب في البرلمان الصومالي يوسف محمد آدم أمام مجلس الشعب في الثاني والعشرين من أكتوبر الجاري، بدا كمن يحمل قضية عادلة. فالرجل الذي شغل منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية، وعرف ملفات الطفولة من موقع المسؤولية التنفيذية، اختار أن يصوّب سهامه نحو التحفظات الخمسة التي أبدتها الحكومة على الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته. وقال إن الاحتماء بعبارة «الصومال دولة مسلمة» لا يكفي لتبرير هذه التحفظات، ودعا زملاءه إلى مساءلة الحكومة، مستشهدا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية دليلا على ما وصفه بالتعارض بين الموقف الصومالي والالتزامات الدولية.لكن من يعود إلى الأوراق الرسمية ونصوص المعاهدات يجد أن هذه المداخلة تثير إشكالات قانونية تستحق المناقشة، وأن ما بدا دفاعا عن الطفل يستند إلى قراءة تحتاج إلى مزيد من التدقيق في ملف أعقد بكثير.فأول ما يغيب عن مداخلة النائب أن التحفظات لم تولد من فراغ. ففي الخامس والعشرين من نوفمبر 2024، أقر مجلس الوزراء بالإجماع، بقراره رقمSHGW.41.99.11.24، المصادقة على الميثاق مع استثناء خمس مواد محددة بالاسم والرقم: تعريف الطفل (المادة 2)، وحرية الفكر والضمير والدين (المادة 9)، وحماية الخصوصية (المادة 10)، وزواج الأطفال وخطبتهم (الفقرة الثانية من المادة 21)، والتبني (المادة 24).وبعدها بخمسة أيام، أحال رئيس الوزراء حمزة عبدي بري القرار إلى رئاسة مجلس الشعب في مذكرة تؤكد أن الميثاق «متوافق مع الدستور».والأكثر إثارة للتساؤل أن النائب يطالب اليوم بمساءلة الحكومة عن تحفظات لم تُخف عن مجلس الشعب ولم تمرر خلف الأبواب المغلقة. فقد عُرضت التحفظات صراحة أمام النواب قبل التصويت، ثم صادق مجلس الشعب على الميثاق في 24 سبتمبر 2025 بحضور 145 نائبا، وصوّت 130 نائبا بالموافقة مقابل 10 معارضين و5 ممتنعين.ولهذا، فإذا كانت التحفظات تستوجب المساءلة حقا، فقد كان من الطبيعي إثارة تلك المساءلة داخل قاعة مجلس الشعب يوم التصويت، دون أن يسقط ذلك حق النواب في مراجعة الموقف لاحقا. أما الاعتراض المتأخر على تحفظات أُقرت بعلم المجلس وموافقته، فيثير تساؤلات بشأن اتساق الموقف البرلماني نفسه.كذلك تثير مداخلة النائب تساؤلات بشأن مدى مراعاتها للمرجعية الإسلامية التي ينص عليها الدستور الصومالي، باعتبارها قيدا دستوريا ملزما لا مجرد اعتبار سياسي. فالدستور المؤقت لعام 2012 يجعل الإسلام دين الدولة، ويمنع سن أي قانون يخالف أصول الشريعة، وأي معاهدة يصادق عليها البرلمان تدخل منظومة قانونية يحكمها هذا القيد.وبهذا المعنى، فإن المصادقة على الميثاق دون تحفظات كانت ستثير بدورها تساؤلات دستورية جدية، ومن يطالب بإسقاط التحفظات مطالب أولا بأن يشرح كيف يستقيم ذلك مع الدستور الذي أقسم على احترامه نائبا ووزيرا. ويكفي أن نأخذ التبني مثالا. فالتبني بمفهومه الذي يترتب عليه إلحاق الطفل بنسب أسرة أخرى وآثار الميراث والمحرمية يثير تعارضا مع أحكام الشريعة الإسلامية. ومع ذلك، لم يترك الإسلام الطفل بلا حماية، بل أقر نظام الكفالة الذي يوفر الرعاية والاحتضان والإنفاق والتربية دون المساس بهوية الطفل أو نسبه. والأهم من ذلك أن اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل نفسها اعترفت في المادة 20، الفقرة الثالثة، بالكفالة باعتبارها أحد أشكال الرعاية البديلة.وبالتالي، فإن الاعتراض على التحفظ الصومالي يثير سؤالا جوهريا: إذا كانت الرعاية والحماية مكفولتين عبر نظام الكفالة المعترف به دوليا، فأي حق من حقوق الطفل يُنتقص فعليا؟ وأين يكمن الضرر الذي يبرر المطالبة بإلغاء التحفظ أصلا؟ومن جانب آخر، فإن من أبرز مواطن الضعف في مداخلة النائب استشهاده بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية دون تحديد المواد التي يستند إليها. فعند العودة إلى نص العهد، نجد أن الفقرة الرابعة من المادة 18 تُلزم الدول «باحترام حرية الآباء» في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة، وهو اعتبار يتصل بالمنطق الذي استند إليه التحفظ على المادة 9 من الميثاق، وإن كان لا يلغي في ذاته الحقوق الأخرى التي تكفلها المادة نفسها.وفي الزواج، تتحدث المادة 23 عن حق الرجل والمرأة في الزواج «ابتداء من بلوغ سن الزواج» دون أن تحدد تلك السن، فلا ذكر هنا لعمر الثامنة عشرة. وفي التبني، لا يتضمن العهد حكما تفصيليا بشأن نظامه، أما الخصوصية فالمادة 17 تحظر التدخل «التعسفي أو غير القانوني»، وهو ما يستدعي التمييز بين الإشراف الأبوي المشروع والتدخل الذي ينتهك حقوق الطفل.ولهذا، فإن الاستشهاد بمعاهدة دولية يستوجب قراءة أحكامها كاملة، وتحديد مواضع التعارض المزعوم بدقة، لا الاكتفاء بالإشارة العامة إليها.كذلك تحدث النائب كأن التحفظات انسحاب من جوهر الميثاق، مع أن الميثاق الإفريقي نفسه يعترف بدور الأسرة والتشريعات الوطنية في أكثر من موضع.فالمادة 9 تُلزم الأبوين بتقديم النصح والتوجيه لأبنائهم في ممارسة حرية الفكر والضمير والدين، وتلزم الدول باحترام هذا الواجب وفقا للقوانين والسياسات الوطنية، مع مراعاة بقية الضمانات التي تقررها المادة.أما المادة 10 المتعلقة بالخصوصية، فتحفظ للأبوين الحق في ممارسة الإشراف المعقول على سلوك الأطفال، فلا تنزع من الأسرة دورها. وتبدأ المادة 24 بعبارة لافتة: «الدول الأطراف التي تعترف بنظام التبني»، أي أن واضعي الميثاق أخذوا في الاعتبار وجود دول إفريقية لا تعترف بهذا النظام.ولذلك، ما دام النص نفسه يتسع لهذا التنوع، فإن القول بأن التحفظ الصومالي يهدم الميثاق من داخله يحتاج إلى سند قانوني أكثر تحديدا.ويتضح مما سبق أن الصومال لم يأت بما لم يسبقه إليه أحد. فاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تجيز للدول إبداء تحفظات على أحكام المعاهدات، ضمن شروط وحدود، أهمها ألا يكون التحفظ منافيا لموضوع المعاهدة وغرضها.وقد مارست دول إفريقية أخرى هذ...