تشير إحاطات أمنية حديثة صادرة عن مؤسسات أوروبية، من بينها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى تجدّد مظاهر انعدام الأمن البحري في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي. فبعد أكثر من عقد من الهدوء النسبي، عادت حوادث القرصنة الصومالية للظهور بين أواخر عام 2023 و2025، مع تسجيل عمليات اختطاف لافتة لسفن تجارية، بالتزامن مع تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، ما فاقم قلق شركات الشحن وشركات التأمين.
ورغم نجاح الدوريات البحرية، والحراسة المسلحة، وإجراءات إدارة المخاطر في احتواء معظم هذه التهديدات، ظلّ التعامل معها محصورًا في منطق الردع البحري. غير أن هذا النهج يكتفي بمعالجة النتائج ويتجاهل الأسباب. فمشكلة انعدام الأمن في البحر الأحمر لم تنشأ في عرض البحر، بل بدأت على اليابسة.
قبل انهيار الدولة الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي، كانت البلاد تمتلك مؤسسات بحرية فاعلة، شملت قوة بحرية، وخفر سواحل، ونظامًا تنظيميًا متكاملًا. وكانت الصومال تحتل موقعًا متقدمًا إقليميًا في القدرات البحرية، وتشرف على أطول ساحل في أفريقيا، وتحمي ممرات بحرية تُعد من الأكثر أهمية في العالم. إلا أن انهيار هذه المنظومة خلّف فراغًا مؤسسيًا لم يُعالَج حتى اليوم.
وفي غياب سلطة الدولة، توغلت أساطيل صيد أجنبية—كثير منها من أوروبا وآسيا—في المياه الصومالية، دون تراخيص أو رقابة، ومارست الصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظّم. وتشير تقديرات أممية وأبحاث أكاديمية إلى أن الصومال خسر، على مدى ثلاثة عقود، موارد بحرية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات. وقد استفادت شركات أجنبية من هذا الاستنزاف، بينما تضررت المجتمعات الساحلية، وتآكلت سبل العيش، وتعرّض الأمن الغذائي والنظم البيئية البحرية لأضرار جسيمة.
ولم يقتصر الأمر على الصيد الجائر. فقد وثّقت تقارير بيئية للأمم المتحدة عمليات إلقاء نفايات خطرة قبالة السواحل الصومالية خلال التسعينيات وبدايات الألفية. وكشف تسونامي عام 2004 عن حاويات سامة مدفونة في البحر، أعقبها تسجيل حالات متزايدة من الأمراض التنفسية والجلدية في المجتمعات الساحلية، دون أن تتبع ذلك أي مساءلة دولية حقيقية.
في هذا السياق، ظهرت القرصنة في بداياتها كردّ فعل على هذا الاستغلال الممنهج. فصيادون فقدوا مصادر رزقهم، في ظل دولة منهارة، لجؤوا إلى تسليح أنفسهم بوصفهم «حرس سواحل» غير رسميين للدفاع عن مياههم. ومع مرور الوقت، تحوّلت القرصنة إلى نشاط إجرامي قائم على الفدية، لكن جذورها الأولى ارتبطت بغياب العدالة واستمرار الانتهاكات دون محاسبة.
وتبرز هنا مفارقة لافتة: فبعض الدول التي تنشر اليوم قطعًا بحرية لمكافحة القرصنة كانت، بشكل مباشر أو غير مباشر، من بين المستفيدين من استغلال الموارد الذي ساهم في تفاقم المشكلة. واليوم، ومع انشغال القوات البحرية الإقليمية بتوترات البحر الأحمر وهجمات الحوثيين، يجري مرة أخرى تجاهل العوامل البنيوية التي تغذّي انعدام الأمن البحري، ما يفتح الباب أمام عودة القرصنة.




