الصومال، بوابة إفريقيا، 26 أكتوبر 2026 أظهر تقرير «مراجعة المالية العامة في الصومال: المرحلة التالية من المالية العامة»، الصادر عن البنك الدولي، أن حزمة من الإصلاحات المقترحة يمكن أن تسهم في توفير نحو 54 ألف وظيفة جديدة وتحسين إنتاجية 250 ألف وظيفة بحلول عام 2033، شريطة تنفيذ هذه الإصلاحات واستمرارها على مدى السنوات المقبلة.وقالت كبيرة الاقتصاديين في البنك الدولي، «ستيلا إلييفا»، خلال إحاطة إعلامية سبقت إطلاق التقرير، إن هذه الأرقام تستند إلى محاكاة للنتائج المحتملة، ولا تمثل وظائف مضمونة، موضحة أن الصومال يحتاج إلى توفير نحو 100 ألف وظيفة سنويًا للحفاظ على مستوى التوظيف الحالي، ما يعني أن الوظائف الجديدة المتوقعة لن تكون كافية وحدها لسد الفجوة في سوق العمل.وأضافت أن الفرصة الأكبر تكمن في تحسين إنتاجية الوظائف ونقل العاملين إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، بما يتيح زيادة دخولهم وتعزيز مساهمة العمل في النمو الاقتصادي.وفي هذا السياق، تقدم تجربة رواندا مثالًا إقليميًا على إمكانية ربط التدريب المهني باحتياجات سوق العمل. ووفقًا للبنك الدولي، درّب برنامج «المهارات ذات الأولوية للنمو» نحو 24 ألف شاب وعامل بين عامي 2017 و2024، وأظهرت النتائج أن 82% من المشاركين حصلوا على وظائف أو عملوا لحسابهم الخاص بعد تسعة أشهر من انتهاء التدريب.واعتمد البرنامج على إشراك أصحاب العمل في تصميم الدورات التدريبية، وتوجيه التدريب نحو قطاعات ذات إمكانات للنمو، من بينها الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع الزراعي.ولا تعني هذه التجربة إمكانية نقل النموذج الرواندي إلى الصومال بصورة مباشرة، إذ لا تزال رواندا تواجه تحديات في تشغيل الشباب؛ فقد تجاوز عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و30 عامًا، ممن هم خارج التعليم والعمل والتدريب، مليون شخص في عام 2024، وفقًا للأرقام الواردة في التقرير.لكن التجربة تبرز أهمية مواءمة المهارات التي يكتسبها الشباب مع احتياجات الشركات والمؤسسات، وقياس نتائج التدريب بعد التخرج، بدلًا من الاكتفاء بعدد المستفيدين من البرامج التدريبية.وتأتي هذه التحديات في وقت تشهد فيه منطقة شرق إفريقيا نموًا اقتصاديًا ملحوظًا، إذ قدّر بنك التنمية الإفريقي معدل النمو الإقليمي بنحو 6.6% خلال عام 2025، مدفوعًا بالاستهلاك والاستثمار والزراعة والخدمات، مع تسجيل رواندا وتنزانيا وكينيا وإثيوبيا أداءً اقتصاديًا قويًا نسبيًا. غير أن البنك أشار إلى استمرار القيود المرتبطة بالتصنيع والتحول الهيكلي ومحدودية الموارد المالية اللازمة للتنمية طويلة الأجل.وتوضح تجربة تنزانيا بدورها الفجوة بين النمو الاقتصادي وخلق الوظائف الرسمية؛ فبحسب تحديث اقتصادي للبنك الدولي صدر في سبتمبر 2026، نما الاقتصاد التنزاني بنسبة 5.9% خلال عام 2025، بينما تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن البلاد تضم نحو 4 ملايين وظيفة في القطاع الرسمي، في حين يبلغ عدد من يصلون إلى سن العمل نحو مليوني شخص سنويًا. وخلال السنة المالية 2023-2024، لم يتجاوز عدد الوظائف الرسمية الجديدة نحو 156 ألف وظيفة، كان 54.9% منها في القطاع العام.وبالنسبة إلى الصومال، يحدد تقرير البنك الدولي عددًا من المجالات التي يمكن أن تسهم في توفير وظائف ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل مصايد الأسماك والبناء والزراعة والأعمال الزراعية، إلى جانب تحسين الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات العامة.ويربط التقرير بين إصلاح المالية العامة وتعزيز قدرة الدولة على تمويل التنمية، من خلال توسيع الإيرادات المحلية وتحسين كفاءة الإنفاق وتقوية المؤسسات، في ظل توقعات بتراجع المنح الخارجية التي أسهمت في دعم المالية العامة الصومالية، بالتزامن مع استمرار الاحتياجات المرتبطة بالأمن والبنية التحتية والتنمية البشرية والتكيف مع التغيرات المناخية.وتشير هذه المعطيات إلى أن توفير فرص العمل لا يعتمد على زيادة الإنفاق الحكومي أو تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة فحسب، بل يتطلب أيضًا تهيئة الظروف اللازمة لتوسع القطاع الخاص، وتحسين وصول المشروعات إلى التمويل والأسواق والتكنولوجيا، وربط مؤسسات التدريب باحتياجات أصحاب العمل.وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير برامج تدريب مهني تستجيب للطلب الفعلي في سوق العمل، بحيث يتمكن الشباب من اكتساب الخبرة ورفع إنتاجيتهم وبناء مصادر دخل مستدامة، مع توفير بيئة مناسبة لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة وقدرتها على استيعاب المزيد من العاملين.وبينما يسعى الصومال إلى تمويل نسبة أكبر من احتياجاته التنموية من الإيرادات المحلية، يبقى التحدي الأساسي في تحويل الإصلاحات المالية إلى فرص اقتصادية ملموسة، تتيح للشباب الانتقال من اكتساب المهارات إلى الحصول على وظائف منتجة، وتساعدهم على تحسين دخول أسرهم والمساهمة في خلق فرص عمل جديدة.