«السيطرة العسكرية على المناطق المحررة لا تكفي؛ فترسيخ الإدارة والحكم والخدمات هو الاختبار الذي يحدد قدرة الدولة على الاحتفاظ بها». عبد طاهر محمد عثمان
اختار رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري أن يخاطب الداخل والخارج من خلال المقابلة التي أجرتها معه الصحفية «أسماء عبد الله» لصالح «بوابة إفريقيا»، واضعا أمام الرأي العام رواية حكومته لما جرى خلال السنوات الأربع الماضية، وما ينتظر البلاد في المرحلة المقبلة.
وكانت رسائله واضحة ومباشرة: الأمن يتحسن، وسلطة الدولة تتوسع، والانتخابات المباشرة أصبحت خيارا لا رجعة فيه، والبلاد قادرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية بعد رحيل القوات الإفريقية.
لكن جانبا آخر من الصورة يتشكل من الأسئلة التي لم تُطرح بما يكفي، والملفات التي جرى المرور عليها سريعا، والقضايا التي تناولها رئيس الوزراء بقدر من العمومية يترك مساحة واسعة للتأويل. ولهذا تبدو المقابلة عرضا لإنجازات الحكومة، وللطريقة التي تريد أن يراها بها الآخرون.
لم يحتج رئيس الوزراء إلى وقت طويل ليحدد ما يعتبره الإنجاز الأبرز لحكومته. فالأمن كان مدخل الحوار ومحور إجاباته ورسالته الرئيسية. وتحدث عن مقديشو بوصفها نموذجا للتحول الذي شهدته البلاد، مؤكدا أن الوضع الأمني تحسن بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بما كان عليه قبل أربع سنوات. واستند إلى عمليات تحرير قال إنها أخرجت أكثر من 1.3 مليون مواطن من تحت سيطرة حركة الشباب، وأعادت الخدمات الحكومية إلى مناطق غابت عنها سلطة الدولة سنوات طويلة.
من الناحية السياسية، يمكن فهم إصرار الحكومة على هذا الملف؛ فنجاح أي سلطة في الصومال يُقاس بقدرتها على تقليص نفوذ حركة الشباب وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. ولذلك أراد رئيس الوزراء أن يربط صورة حكومته بالإنجاز الأمني.
لكن الصورة تبقى ناقصة إذا اكتفينا بما قاله، إذ لم يشرح كيف ستضمن الدولة بقاء المناطق المحررة خارج دائرة النفوذ المسلح مستقبلا. السيطرة العسكرية على المناطق المحررة لا تكفي؛ فترسيخ الإدارة والحكم والخدمات هو الاختبار الذي يحدد قدرة الدولة على الاحتفاظ بها.
يمكن قراءة حديث رئيس الوزراء بوصفه تعبيرا عن ثقته بانحسار نفوذ حركة الشباب، وبلهجة توحي بأن الحركة لم تعد تمثل تهديدا وجوديا للدولة كما كانت في السابق. لكن الملف الأكثر حساسية لا يتعلق بحجم الأراضي المحررة وحده، بل بقدرة التنظيم على التأقلم مع المتغيرات.
فلم نسمع تفصيلا عن تجفيف مصادر تمويل الحركة، أو الشبكات الاقتصادية التي تعتمد عليها، رغم إعلانات الحكومة المتكررة بشأن هذه القضايا، ولا عن قدرتها على إعادة التموضع في المناطق الريفية. وهنا يبقى السؤال مطروحا: هل جرى كسب الحرب على الأرض فقط، أم كسب المعركة السياسية والاجتماعية أيضا؟ ظل هذا السؤال خارج إطار المقابلة، رغم صلته الوثيقة بمستقبل الأمن في البلاد.
عندما انتقل الحديث إلى الأزمة السياسية، ظهر بوضوح أن الحكومة والمعارضة تقدمان روايتين مختلفتين للواقع نفسه. فالمعارضة تتحدث عن تعثر المفاوضات وفشل الحوار السياسي، بينما يرفض رئيس الوزراء هذا الوصف، ويقول إنه لا يعرف متى فشلت المفاوضات حتى يُقال إنها فشلت. وحسب روايته، ما زالت قنوات التواصل مفتوحة، وما زالت الجهود قائمة للوصول إلى توافق حول القضايا الخلافية، وعلى رأسها الانتخابات.
غير أن المقابلة لم تجب عن السؤال الجوهري: إذا لم تكن المفاوضات قد فشلت، فلماذا لم تنجح أيضا؟ كذلك لم يوضح رئيس الوزراء طبيعة العقبات التي تعترض التفاهم، ولا تفاصيل التنازلات التي قال إن حكومته قدمتها أو ما زالت مستعدة لتقديمها. وبذلك بقيت الأزمة السياسية حاضرة عنوانا كبيرا، وغائبة من حيث التفاصيل.
من أكثر عبارات المقابلة إثارة وصف رئيس الوزراء بعض أطراف المعارضة بأنها «معارضة لأجل المعارضة فقط». وتنطوي العبارة على اتهام لبعض خصوم الحكومة بأنهم لا يملكون مشروعا بديلا، وأن هدفهم تعطيل أي مسار سياسي تتبناه السلطة.
لكن هذه الرواية تطرح بدورها أسئلة أخرى: إذا كانت المعارضة بهذا الضعف وبهذا القدر من غياب الرؤية، فلماذا ما زالت قادرة على تعطيل التوافقات الوطنية؟ ولماذا لم تنجح الحكومة في تجاوز تأثيرها؟
إن جوهر الأزمة الصومالية لا يكمن في الخلاف بين الحكومة والمعارضة وحده، بل يمتد إلى مستقبل النظام السياسي، وتوزيع الصلاحيات، والعلاقة بين المركز والأطراف.
في ملف الانتخابات، لم يكن هناك تردد في موقف رئيس الوزراء. فالحكومة ماضية نحو الاقتراع العام المباشر، وترى فيه تحولا تاريخيا ضروريا لبناء دولة تقوم على الأحزاب والتمثيل الشعبي. واستشهد بالتجارب التي بدأت في إقليم بنادر وجنوب غرب الصومال، وبما يجري التحضير له في ولايتي جلمدغ وهيرشبيلي.
لكن ما غاب عن النقاش هو حجم التحديات المرتبطة بهذا المشروع. فتنظيم انتخابات مباشرة في بلد ما زالت أجزاء منه تواجه تحديات أمنية وسياسية وإدارية ليس مسألة فنية فحسب، بل يرتبط أيضا بتوازن القوى داخل النظام السياسي. ولهذا يتعلق الخلاف الحقيقي بظروف تطبيق الاقتراع ومدى قبول جميع الأطراف بنتائجه.
ومن زاوية أخرى، وصف رئيس الوزراء المعارضة بأنها تسعى للعودة إلى نظام الانتخابات غير المباشرة دون أن تملك الجرأة لإعلان ذلك للرأي العام. لكن المقابلة لم تتناول موقف المعارضة من زاويتها، ولم تشرح الدوافع التي تجعل بعض القوى السياسية والولايات الفيدرالية ترى أن الانتقال السريع إلى الانتخابات المباشرة قد يقود إلى أزمة أكبر. وبين الطرحين يبقى السؤال قائما: هل المشكلة في مبدأ الانتخابات، أم في غياب التوافق على قواعدها؟
من أخطر الملفات التي تناولتها المقابلة انتهاء مهمة بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوسوم». بدا رئيس الوزراء واثقا من استعداد القوات الصومالية لتحمل كامل مسؤولياتها الأمنية بعد انتهاء المهمة.

