«أعادني كتاب الدكتور عبد الرحمن حسين إلى إدوارد سعيد، فاكتشفت وراء نقده للاستشراق سؤالا أعمق عن المعرفة والهيمنة وحرية الإنسان المستعمَر» علي حلني
قد تبدأ الهيمنة بفكرة تبدو بسيطة: أن شعبا ما عاجز عن حكم نفسه، أو أن مجتمعا لم يبلغ بعد مستوى التقدم الذي يتيح له تقرير مستقبله. وحين تتكرر هذه الفكرة في كتاب أو دراسة أو خطاب سياسي، فإنها لا تبقى مجرد رأي متحيز؛ قد تصبح أساسا لتبرير التدخل في حياة الآخرين.
من هنا تنشأ أهمية السؤال الذي يطرحه كتاب عبد الرحمن حسين: «إدوارد سعيد: النزعة التفوقية الأوروبية الأميركية ونقد العقل الإمبريالي» كيف أمكن لأفكار تقدم نفسها بوصفها عقلانية وعالمية أن تتعايش مع الاستعمار والعنصرية، أو أن تسهم في إضفاء الشرعية عليهما؟
يقول ناشر الكتاب إن حسين يسعى إلى كشف الصلات التي غالبا ما تبقى خفية بين الفلسفة الحديثة، منذ عصر التنوير، وبين الإمبريالية والعنصرية والإبادة. وهو مشروع يجمع التاريخ الفكري والاجتماعي بالنظرية السياسية والنقد الثقافي، ويتناول، بدرجات متفاوتة، مفكرين من ديكارت وكانط وهيغل إلى فوكو ودريدا وأدورنو وهابرماس. ولا يعني جمع هؤلاء في دراسة واحدة أنهم تبنوا المواقف نفسها؛ فالسؤال الذي يجمعهم هنا يتعلق بعلاقة الأفكار عن الإنسان والعقل والتقدم بتاريخ القوة في العالم.
يتجاوز الكتاب بذلك ما اشتهر به إدوارد سعيد في الاستشراق، مع احتفاظه بالسؤال الذي منح ذلك العمل أثره: من يملك سلطة وصف الشعوب الأخرى وتمثيلها؟ فقد نبهنا سعيد إلى أن السيطرة لا تعتمد على السلاح والسياسة وحدهما، بل تتصل أيضا بالمعرفة والأدب والخطاب العام. فإذا صُوّر مجتمع ما باعتباره ساكنا أو عاجزا عن إدارة شؤونه، أمكن أن يبدو إخضاعه مهمة تمدين أو إنقاذ. يوسع حسين دائرة النظر إلى الأسس الفلسفية والفكرية التي قد تمنح مثل هذه التصورات مظهر الحقيقة والشرعية.
ويحتاج عنوان الكتاب نفسه إلى تفكيك. فـ«النزعة التفوقية الأوروبية الأميركية» تشير إلى اتخاذ التجربة الغربية معيارا عاما، ثم الحكم على تجارب الآخرين بمقدار اقترابها منه أو ابتعادها عنه. أما «العقل الإمبريالي» فيشير إلى طرائق التفكير التي تستطيع إضفاء منطق أخلاقي أو علمي على علاقات هيمنة قائمة. والسؤال هنا لا يقتضي رفض العقل أو الفلسفة، بل مساءلة ما يحدث حين تدعي فكرة ما أنها تتحدث باسم الإنسانية كلها، بينما تستبعد من تطبيقها الفعلي أناسا وشعوبا بأكملها.
لم يبدأ حسين هذا البحث بكتابه الجديد. ففي عمله السابق، «إدوارد سعيد: النقد والمجتمع»، حاول أن يبين أن وراء تنوع كتابات سعيد منهجا فكريا مترابطا. وبحسب دار«Verso»، التي نشرت ذلك العمل، فقد منح كتاب سعيد بدايات مكانة خاصة في فهم منهجه، وقرأ التجربة الفلسطينية بوصفها مؤثرة في أعماله كلها، حتى تلك التي لا تتناول فلسطين مباشرة.
ويصف ناشر الكتاب الجديد عمل عام 2023 بأنه توسع في حجة طرحها حسين هناك. ويمكن فهم هذا الانتقال بوصفه انتقالا من سؤال كيف يفكر سعيد؟ إلى سؤال ما الذي تتيحه طريقته في التفكير لفهم تاريخ الإمبراطورية؟
وتساعد الكتابات السابقة عن حسين على إدراك ما يميز قراءته. ففي مراجعة نشرتها مجلة لوغوس لكتابه الأول، رأى ماثيو أبراهام أن حسين لم يعرض سعيد ناقدا أدبيا انتقل لاحقا إلى السياسة، بل أظهر انشغالا متصلا في أعماله بسؤال الفرد والثقافة: كيف يستطيع الإنسان أن يفكر بحرية داخل تقاليد تؤثر فيه وتحد من حركته؟ وكيف يستخدم ما تعلمه من تلك التقاليد كي يقاوم ما فيها من هيمنة؟ بهذا المعنى، لا يقف النقد عند كشف الصورة النمطية، بل يبحث أيضا عن قدرة الإنسان على الاعتراض والبدء من جديد.
ولهذا الكتاب عندي حكاية تسبق قراءته. التقيت الدكتور عبد الرحمن حسين في جامعة هرجيسا في أغسطس 2020، وكان سخيا في الحديث معي. وكان مثقلا بهموم كثيرة، ناقشنا أمورا كثيرة، من بينها حياته في الولايات المتحدة وتجربته في التدريس في الولايات المتحدة تحديدا، والسعودية والكويت، وتحدثنا عن كتابه الأول عن إدوارد سعيد. وحكى لي يومها أنه أرسل مخطوطة الكتاب الذي نتحدث عنه إلى ناشر مرموق، لكنه لم يكن متفائلا بقبولها؛ فالكتاب، كما قال، أشد جرأة من عمله السابق. تذكرت تلك العبارة عندما صدر الكتاب، وازدادت رغبتي في معرفة الأسئلة التي دفعته إلى الذهاب أبعد مما ذهب إليه من قبل.

