«في أعالي المرتفعات الإريترية، حيث تشق الجادات الواسعة طريقها بين صفوف من واجهات عمارة 'الآرت ديكو'، ولا تزال دور السينما المستقبلية تهيمن على الأفق، تبرز أسمرة كواحدة من أكثر المدن الحداثية استثنائية في العالم؛ مكانٌ يستمر فيه التاريخ الاستعماري، والهوية الأفريقية، والتجريب المعماري في التعايش معاً.».
تقع أسمرة في المرتفعات الإريترية المعتدلة، حيث تمتد الشوارع المحفوفة بأشجار النخيل تحت واجهات بألوان هادئة، وتُشكّل المباني التاريخية ملامح الأفق الحضري، لتبقى واحدة من أكثر مواقع التراث الحضري تميزاً في إفريقيا.
وعلى عكس العديد من المدن الإفريقية التاريخية التي تستمد أهميتها من الآثار القديمة أو القلاع العائدة للعصور الوسطى، فإن أهمية أسمرة تكمن في عمارتها الحداثية المحفوظة بصورة استثنائية وفي تخطيطها الحضري المدروس، بما يعكس التفاعل بين الحداثة الأوروبية والواقع الإفريقي خلال القرن العشرين.
واليوم تمثل العاصمة الإريترية نموذجاً نادراً لمدينة حداثية ما تزال محتفظة إلى حد كبير بطابعها الأصلي، حيث تتواصل الحياة اليومية بين دور السينما والمقاهي والشوارع الواسعة والكنائس والساحات العامة التي شُيدت خلال الحقبة الاستعمارية.
ملف الموقع
تقع أسمرة في الإقليم الأوسط من إريتريا على هضبة جبلية ترتفع بنحو 2300 متر فوق سطح البحر، ما يجعلها واحدة من أعلى العواصم في العالم.
وتغطي المنطقة التراثية المدرجة على قائمة اليونسكو نحو 481 هكتاراً وتشمل الأحياء المركزية للمدينة، المحاطة بالجروف الصخرية والتلال والمرتفعات المطلة على الأراضي المنخفضة المجاورة.
وقد أسهم مناخ المدينة المعتدل وانخفاض الرطوبة وموقعها الجبلي تاريخياً في جذب الاستقرار البشري، كما أثّر بشكل كبير في تصميمها المعماري، مشجعاً على إنشاء شوارع واسعة ومساحات عامة مفتوحة ومبانٍ جيدة التهوية تتكيف مع الظروف البيئية المحلية.
ويقوم التخطيط الحضري لأسمرة على شبكة منظمة من الشوارع المتقاطعة والطرق العريضة والمناطق الوظيفية المخططة بعناية، والتي طُورت أساساً خلال ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن الماضي.
وتضم المدينة مئات المباني الحداثية التي تعكس أنماطاً معمارية متنوعة مثل الآرت ديكو والعقلانية والعمارة المستقبلية والعمارة التقليدية الجديدة. وتشكل دور السينما ومحطات الوقود والمكاتب الحكومية والكنائس والمقاهي والفيلات والمنشآت الصناعية واحدة من أكثر مجموعات العمارة الحداثية المبكرة كثافة في العالم.
القيمة العالمية الاستثنائية
أُدرجت أسمرة على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2017 تحت الرقم المرجعي 1550 باسم «أسمرة: مدينة إفريقية حداثية».
وبموجب المعيار الثاني، تعترف اليونسكو بالمدينة باعتبارها مثالاً استثنائياً على تبادل الأفكار المعمارية والتخطيطية بين أوروبا وإفريقيا، حيث جرى تكييف مفاهيم التخطيط الإيطالية الحداثية مع الواقع الاجتماعي والمناخي والجغرافي الإفريقي.
أما بموجب المعيار الرابع، فتحتفظ المدينة بمجموعة متكاملة ومتماسكة على نحو استثنائي من العمارة والتخطيط الحداثيين المبكرين.
وتجسد شبكة شوارعها المتعامدة ومبادئ تقسيم المناطق والساحات العامة الضخمة وتنوعها المعماري أحد أوضح النماذج الباقية للتخطيط الحضري الحداثي في أوائل القرن العشرين.
وتكتسب أسمرة أهمية عالمية إضافية لكونها الموقع الوحيد في إفريقيا المدرج على قائمة التراث العالمي باعتباره مدينة حداثية متكاملة.
ولا تقتصر أهمية المدينة على العمارة فحسب، بل تعكس أيضاً نقاشات أوسع حول الاستعمار والتحديث والهوية الحضرية والحفاظ على تراث القرن العشرين في بلدان الجنوب العالمي.
التاريخ والقصة
ترجع التقاليد الشفوية لشعب «تيغرينيا» أصول أسمرة إلى أربع تجمعات سكانية صغيرة اتحدت للدفاع المشترك في الهضبة الإريترية، ومن هنا جاء اسم «أربعتي أسمرة» أي «الأربع المتحدات».
وظلت المستوطنة صغيرة نسبياً لقرون عديدة إلى أن أسست إيطاليا مستعمرة إريتريا في أواخر القرن التاسع عشر. وفي عام 1897 أُعلنت أسمرة رسمياً عاصمة للمستعمرة بسبب موقعها الاستراتيجي ومناخها المعتدل.
وخلال العقود التالية تحولت المدينة بسرعة من بلدة صغيرة إلى عاصمة استعمارية مخططة ترتبط بشبكات الطرق والسكك الحديدية والبنية الإدارية.
وشهدت ثلاثينيات القرن العشرين أكثر مراحل التطور كثافة، خصوصاً بعد الغزو الإيطالي لإثيوبيا، حين أصبحت أسمرة واجهة للعمارة الإيطالية الحداثية والعقلانية.
وجرّب المعماريون أفكاراً حضرية جريئة من خلال تشييد دور السينما والمقاهي والكنائس والمصانع والفيلات والمباني الحكومية بطرازات مستقبلية وآرت ديكو وعقلانية نادرة الوجود في أماكن أخرى من إفريقيا.
وانتهى الحكم الاستعماري الإيطالي عام 1941 بعد سيطرة القوات البريطانية على إريتريا خلال الحرب العالمية الثانية. ثم أُلحقت إريتريا باتحاد مع إثيوبيا قبل ضمها لاحقاً، إلا أن أسمرة شهدت عمليات تطوير محدودة نسبياً خلال العقود التالية.
ومن المفارقات أن محدودية التحديث ساعدت في الحفاظ على جزء كبير من النسيج المعماري الأصلي للمدينة.
وبعد استقلال إريتريا عام 1993 برزت المدينة تدريجياً رمزاً للهوية الوطنية والصمود بعد الاستعمار، قبل أن تتوج أهميتها المعمارية بإدراجها على قائمة التراث العالمي عام 2017.
واليوم تمنح الشوارع الواسعة والأفق العمراني المنخفض والمباني المحفوظة من منتصف القرن العشرين أسمرة أجواءً توصف كثيراً بأنها «حداثة متجمدة في الزمن».

