فكلما قلت المعلومات زادت الثقة، وكلما تعقد الموضوع أصبح الحكم عليه أسرع… بينما المعرفة لا تزال تحتاج إلى وقت وصبر». — عبد الرحمن محمد غوري
ما الذي جرى للطب النفسي في السنوات الأخيرة؟ وهل خرج من كليات الطب وانتقل إلى المقاهي ومجالس الأصدقاء ومواقع التواصل؟ أم أن الناس اكتشفوا فجأة أن دراسة النفس البشرية يمكن اختصارها في بضعة مقاطع على الهاتف، وبعض الكلمات من نوع الاكتئاب والنرجسية والعلاقات السامة وصدمات الطفولة ومصاصي الطاقة؟ ولكن من قال إن الطب يحتاج دائما إلى طبيب؟
فالمرض النفسي مرض حقيقي، تتداخل في أسبابه الوراثة وكيمياء الدماغ والبيئة وضغوط الحياة، وقد يكون للمخدرات نصيبها أيضا. وكان من رأي العبد لله دائما أن المريض النفسي أولى بالعطف والرعاية والعلاج من النصائح التي يوزعها الناس عليه بالمجان.
فالذي يعاني الاكتئاب لا تنفعه موعظة، والذي يعاني القلق لا يحتاج إلى من يقول له: «لا تفكر كثيرا»، وإلا لكانت عبارة «شد حيلك» أعظم اكتشاف في تاريخ الطب، ولأغلقت العيادات أبوابها وعاد الأطباء إلى بيوتهم.
ولكن الناس لا ينتظرون الأطباء، ولا يحبون الانتظار أصلا: فهذا نرجسي، وذاك سام، والثالث متحكم، والرابع مصاص للطاقة، والخامس لا يعيش من دون مشكلة، والسادس يحمل صدمة من الطفولة. ولا أعرف ماذا بقي للأطباء بعد ذلك.
والأجمل أن التشخيص يأتي ومعه العلاج: ابتعد عن هذا، واقطع علاقتك بذاك، وضع حدودا بينك وبين الثالث، وارفع أسوارك، ولا تسمح لأحد باختراق مساحتك الشخصية. ولم يبق إلا أن يحفر كل واحد منا خندقا حول بيته، ويضع فوق الباب لافتة تقول: «ممنوع الاقتراب حفاظا على الصحة النفسية».
وقد ساعدت مواقع التواصل على نشر هذا العلم، حتى أصبح في مقدورك أن تدخل إليها ولديك عشرون صديقا، ثم تخرج منها ولم يبق لديك أحد. فقد اكتشفت أن الأول نرجسي، والثاني سام، والثالث يتلاعب بك، والرابع يحسدك، والخامس يستنزف طاقتك، والسادس لا يحترم خصوصيتك. وهكذا تستطيع أن تبدأ يومك محاطا بالأصدقاء وتنهيه في عزلة كاملة، ولكنك في المقابل تتمتع بحدود نفسية ممتازة.
ولي صديق لا أعرف له علاقة بالطب، ولكنه يملك في النفس البشرية علما لو وزع على كليات الطب لكفاها وزاد. جلست معه ذات يوم في مطعم، فأشار إلى رجل يجلس وحده وقال: «هذا مكتئب». فسألته: «كيف عرفت؟» فقال: «ألا تراه صامتا؟»
وبعد قليل رأى رجلا يضحك مع أصحابه فقال: «هذا أشد اكتئابا». فسألته: «كيف يكون الصامت مكتئبا والضاحك مكتئبا؟» فقال: «إن كثرة الضحك تخفي حزنا عميقا». وهنا أدركت أن صاحبي أغلق جميع أبواب النجاة: فالساكت مكتئب، والضاحك يخفي اكتئابه، ومن لا يضحك ولا يصمت فلا بد أن لديه حالة أعقد.
وما دام التشخيص قد انتهى قبل وصول الطعام، فقد سألته عن العلاج. فقال إن المكتئب يحتاج إلى الخروج من البيت، وإن القلق علاجه ألا يفكر الإنسان كثيرا، وإن الأرق ينتهي بالنوم المبكر، وإن صاحب الوسواس عليه أن يطرد الأفكار من رأسه.
وشعرت يومها بالأسى على الأطباء الذين أضاعوا أعمارهم في الدراسة ولم يكتشفوا هذه الحقائق البسيطة: فالأرق علاجه النوم، والقلق علاجه عدم التفكير، وعلاج الجوع هو الطعام، وعلاج العطش هو الماء. وبذلك ننتهي من الطب كله قبل وصول فاتورة المطعم.
ولأن صاحبي كان قد فرغ من تشخيص الصامت والضاحك ووصف العلاج لكل منهما، فقد خطر لي أن ألفت نظره إلى حالات أخرى حولنا بدت لي أولى بعلمه الغزير. فهذا رجل ينادي النادل بصوت يكفي لإسماعه لو كان يعمل في دولة مجاورة، ثم يعود إلى حديثه هادئا كأن شيئا لم يحدث.
وهذا آخر يفتح يوتيوب ويرفع الصوت حتى يصبح جميع الحاضرين مشتركين في قناته. فإذا قلت له إن السماعات اخترعت لمثل هذه الظروف، نظر إليك مستنكرا وسألك: «وما شأنك؟»، وكأن أذنيك هما اللتان تطفلتا على هاتفه.

