يشهد البحر الأحمر تحولا أمنيا متسارعا قد يجعل الضفة الإفريقية مصدرا لأزمة إقليمية جديدة، في ظل تداخل النزاعات الداخلية في القرن الإفريقي مع تنافس قوى الشرق الأوسط وتزايد المخاطر التي تواجه أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذه هي الخلاصة الرئيسية لتقرير نشره «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» في 28 يوليو 2026، بعنوان «تعزيز أمن البحر الأحمر: لماذا قد تبدأ الأزمة المقبلة في القرن الإفريقي؟»، للباحث «كورادو تشاك». ويرى التقرير أن التركيز الدولي على هجمات الحوثيين لا يعكس الصورة الكاملة، إذ بدأت صراعات السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال تتشابك بصورة متزايدة مع حسابات قوى خارجية.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع تنامي القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر. فبعد أن أظهرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هشاشة مضيق هرمز، عاد الاهتمام بالطرق البديلة لتصدير الطاقة. وبحسب التقرير، صدرت السعودية خلال أبريل ومايو ما بين ثلاثة وأربعة ملايين برميل من النفط يوميا عبر البحر الأحمر، أي ما يقارب ضعف الكمية التي مرت عبر باب المندب خلال 2024. كما يمكن لمشروعات خطوط الأنابيب التي تتجاوز هرمز أن تزيد أهمية هذا الممر مستقبلا.
ويشير التقرير إلى أن الخطر لم يعد يأتي من اليمن وحده. ففي الجانب الإفريقي، تتقاطع الحرب السودانية مع التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، بينما تتشابك النزاعات في شمال الصومال مع المنافسة السعودية الإماراتية والتركية الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، سجل نشاط القرصنة الصومالية عودة لافتة، إذ يقول التقرير إن قراصنة صوماليين اختطفوا ثلاث سفن في خليج عدن خلال أبريل ومايو، بينها ناقلتا نفط.
ويضيف عامل جديد إلى هذه المخاطر يتمثل في انتشار الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، التي تمنح الدول والجماعات المسلحة قدرة متزايدة على تهديد الممرات البحرية. ويشير التقرير إلى تنفيذ تنظيم داعش في الصومال أول هجوم مسجل له بطائرة مسيرة في بونتلاند في يناير، بينما تحدثت تقارير عن استخدام حركة الشباب الطائرات المسيرة لأغراض الاستطلاع والدعاية.
السودان وإثيوبيا وإريتريا.. صراعات تتداخل
يخصص التقرير مساحة واسعة للتداخل المتزايد بين الحرب السودانية والتوتر الإثيوبي الإريتري. ويرى أن الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تعد نزاعا داخليا معزولا، بل باتت تتقاطع مع تنافس أديس أبابا وأسمرة، ما يرفع احتمالات نشوء مواجهة أوسع على امتداد البحر الأحمر.
وبحسب التقرير، تواصل إثيوبيا البحث عن منفذ بحري، فيما يشير إلى اهتمامها بميناء عصب الإريتري. وفي المقابل، عززت إريتريا علاقاتها مع قيادات تيغراي وجماعات إثيوبية معارضة، بينما تظهر انعكاسات هذا التنافس داخل السودان. ويتحدث التقرير عن تقارير تفيد بتنسيق متزايد بين قوات من تيغراي والجيش السوداني وإريتريا في الشرق، مقابل مزاعم عن مساعدة إثيوبية لقوات الدعم السريع في ولاية النيل الأزرق.
ويرى الكاتب أن أي تصعيد مباشر بين إثيوبيا وإريتريا يمكن أن يجذب أطراف الحرب السودانية وقوى خارجية، خصوصا مصر، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجيش السوداني وإريتريا، بالتزامن مع استمرار خلافها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة.
ويضع التقرير هذه التوترات ضمن خريطة أوسع للتحالفات الإقليمية، إذ يعتبر أن مصر وتركيا والسعودية أقرب إلى الجيش السوداني وإريتريا، بينما تربط الإمارات، وبدرجة أقل إسرائيل، علاقات بإثيوبيا وقوات الدعم السريع، مع الإشارة إلى نفي بعض هذه الروابط رسميا. ويحذر الكاتب من أن الدعم الخارجي قد يدفع الأطراف المحلية إلى المبالغة في تقدير قدراتها، وبالتالي زيادة احتمالات مواجهة إقليمية تهدد أمن البحر الأحمر.
الصومال.. جبهة محتملة ثانية
يعتبر التقرير الصومال الجبهة الرئيسية الثانية المحتملة في أزمة البحر الأحمر. وتتمثل المشكلة، وفق تحليله، في أن الخلافات الصومالية الداخلية لم تعد منفصلة عن التنافس الإقليمي، بل أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع مصالح الإمارات والسعودية وتركيا وإسرائيل.
ويربط التقرير هذا التحول باعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي في ديسمبر 2025، والعلاقات الأمنية التي تطورت بين الجانبين، إلى جانب الوجود الإماراتي في بربرة. وفي المقابل، يقول إن مقديشو قطعت علاقاتها الأمنية مع الإمارات، واتجهت نحو تعزيز علاقاتها الدفاعية مع السعودية وقطر، مع توسيع شراكتها القديمة مع تركيا.
كما يشير التقرير إلى استمرار دعم أبوظبي لبونتلاند وجوبالاند وسط الخلاف بينهما وبين الحكومة الفيدرالية، ويربط هذه الانقسامات بالصراع السياسي الأوسع بشأن الانتخابات والقيادة الفيدرالية. ووفقا لتحليله، يمكن أن تصبح هذه الخلافات أكثر خطورة عندما تتداخل مع النزاعات الإقليمية والمصالح الخارجية.
شمال الصومال في قلب التنافس

