الصومال، بوابة إفريقيا، 26 أكتوبر 2026 يواجه الصومال تحديًا ماليًا يتمثل في تعويض التراجع المتوقع في التمويل الخارجي عبر تعزيز الإيرادات المحلية وتحسين كفاءة الإنفاق، مع تجنب فرض أعباء غير مستدامة على الأسر والشركات، في وقت تسعى فيه البلاد إلى إعادة بناء مؤسساتها العامة وتوسيع قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية.ويبحث تقرير مراجعة المالية العامة في الصومال لعام 2026، الصادر عن «البنك الدولي» تحت عنوان «المرحلة المقبلة من المالية العامة»، سبل تمويل أولويات التنمية في ظل تراجع الدعم الخارجي، مؤكدًا أهمية توسيع قاعدة الإيرادات المحلية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز التعاون بين مستويات الحكم لضمان استدامة المالية العامة.وخلال إحاطة سبقت إطلاق التقرير، قالت كبيرة الاقتصاديين في «البنك الدولي»، «ستيلا إيلييفا»، إن الصومال يحتاج إلى الانتقال نحو نظام مالي يعتمد بدرجة أكبر على الموارد المحلية والمؤسسات الفاعلة والتعاون بين الحكومات.وتشير تقديرات التقرير إلى احتمال تراجع المنح الخارجية من نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 1% بحلول عام 2030، في حين لم تتجاوز الإيرادات المحلية ما يعادل 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مقارنة بنحو 15 إلى 17% في الدول النظيرة.ويحد هذا الفارق من قدرة الحكومة على توسيع خدمات الصحة والتعليم، وصيانة البنية التحتية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والاستثمار في مواجهة التغيرات المناخية.وتتزايد هذه التحديات في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر وسبل العيش. وأشار التحديث الاقتصادي للصومال الصادر عن «البنك الدولي» في مايو 2026 إلى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى نحو 3% في عام 2025، مقارنة بنحو 4% خلال عامي 2023 و2024، وسط تداعيات تراجع المساعدات والجفاف وارتفاع تكاليف المعيشة.ويضع ذلك صانعي السياسات أمام مهمتين متلازمتين: ضمان قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية، وتجنب أن تؤدي إجراءات زيادة الإيرادات إلى رفع تكاليف الحياة أو تعميق الصعوبات الاقتصادية التي تواجه المواطنين.ويُعد الاقتراض أحد الخيارات الممكنة لتعويض تراجع المنح، لكن «إيلييفا» شددت على ضرورة أن يكون أي اقتراض بشروط ميسرة للغاية، وفي حدود تضمن استدامة الدين العام.وكان الصومال قد بلغ نقطة الإنجاز ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في ديسمبر 2023، وحصل على إعفاءات كبيرة من الديون، غير أن هذه الخطوة لا تلغي الحاجة إلى إدارة الاقتراض بحذر، إذ يمكن للبلدان التي تستفيد من تخفيف أعباء الديون أن تعود إلى مستويات غير مستدامة إذا توسعت في الاقتراض دون ضوابط.وأكدت «إيلييفا» أهمية إعطاء الأولوية للمنح كلما أمكن، مع إخضاع أي قروض لتقييم دقيق يشمل تكلفتها وشروط سدادها وأوجه استخدامها، مشيرة إلى أن الاقتراض ينبغي أن يوجه إلى أغراض إنتاجية، مثل تطوير البنية التحتية وبناء المؤسسات، بدلًا من تمويل النفقات المتكررة دون توفير مصادر دخل مقابلة.وتنسجم هذه التوجهات مع تقييم «صندوق النقد الدولي» في أكتوبر الجاري، الذي شدد على أهمية الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز الإيرادات المحلية، والالتزام بإدارة مالية عامة حذرة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي.ولا يعني التحول نحو الاعتماد على الموارد المحلية بالضرورة زيادة الضرائب على جميع المواطنين، إذ يعتمد توزيع الأعباء على تصميم الإصلاحات الضريبية ومدى التنسيق بين الأنظمة المالية المختلفة.وفي هذا السياق، رأت «إيلييفا» أن تحسين التعاون بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء قد يتيح، في بعض الحالات، خفض المعدلات الضريبية من خلال معالجة التفاوتات والتداخل في ترتيبات التحصيل.وضربت مثالًا بالضرائب المفروضة على برميل بنزين مستورد سعة 200 لتر، موضحة أن الأرقام المعروضة خلال الإحاطة بلغت نحو 26.50 دولار في مقديشو، و9.26 دولار في بونتلاند، و7.30 دولار في كيسمايو بولاية جوبالاند، بما يعكس تفاوت الأعباء بحسب مناطق دخول السلع إلى البلاد.كما يتناول التقرير تحديث ضرائب المبيعات وتوسيع القاعدة الضريبية، بما في ذلك تطوير نظام أكثر حداثة لضريبة القيمة المضافة، يمكن أن يحد من تراكم الضرائب عند تطبيقها بصورة متكررة في مراحل مختلفة من سلسلة التوريدوشددت «إيلييفا» على ضرورة تصميم الإصلاحات الضريبية بما يحمي الأسر محدودة الدخل، في ظل ارتفاع معدلات الفقر ومحدودية دخول قطاعات واسعة من السكان، مؤكدة أهمية توعية دافعي الضرائب والتواصل الواضح معهم والتشاور بشأن التغييرات المقترحة لتعزيز الثقة بالنظام الضريبي.ولا يتوقف نجاح التحول المالي على زيادة الإيرادات وحدها، بل يعتمد أيضًا على مدى كفاءة استخدام الأموال العامة. ويحدد التقرير أوجه قصور في كفاءة الإنفاق، وتفاوتًا في تطبيق أنظمة الإدارة المالية العامة، ونقصًا في وضوح الترتيبات بين مستويات الحكم المختلفة.ويوصي بتعزيز الرقابة المالية، وتحسين إجراءات المشتريات الحكومية، وتطوير إدارة كشوف الرواتب، وتوضيح مسؤوليات تمويل الخدمات العامة، بما يرفع كفاءة توجيه الموارد ويحد من الهدر.وتشير المحاكاة الاقتصادية الواردة في التقرير إلى أن حزمة الإصلاحات المقترحة يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 9.3 نقطة مئوية مقارنة بالمسار الأساسي خلال الفترة من 2026 إلى 2033، وتزيد الإيرادات المحلية بنحو 6 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مع خفض معدلات الفقر.كما تقدر المحاكاة إمكانية توفير نحو 54 ألف وظيفة إضافية، إلى جانب 250 ألف وظيفة أفضل وأكثر إنتاجية بحلول عام 2033. غير أن هذه الأرقام تمثل نتائج محتملة تستند إلى افتراضات النموذج الاقتصادي، وليست نتائج مضمونة، إذ تعتمد على تنفيذ الإصلاحات واستمرار تطبيقها.ويؤكد ذلك أن الانتقال إلى مالية عامة أكثر استدامة لا يتحقق بمجرد استبدال مصدر تمويل بآخر، بل يتطلب نظامًا أكثر عدالة في تحصيل الإيرادات، وأكثر وضوحًا في توزيع الموارد، وأكثر كفاءة في الإنفاق، مع ضمان المساءلة عن النتائج.ومن المتوقع أن يواصل شركاء التنمية دوره...