منذ عام 1991 لم تطبع الصومال ورقة نقدية واحدة — ومع ذلك لم يتوقف الاقتصاد عن العمل.
فالدولار يهيمن على المعاملات الكبرى، والمال عبر الهاتف يدير الحياة اليومية، بينما بقي الشلن الصومالي متداولاً في الأسواق رغم أن معظم أوراقه مزيفة.
وهنا يبرز سؤال لم يعد ممكناً تجاهله: هل أصبح الشلن الرقمي الخيار الأكثر واقعية لاستعادة سيادة الصومال النقدية؟
منذ أكثر من ثلاثة عقود يعيش الاقتصاد الصومالي وضعاً نقدياً استثنائياً. فالشلن الصومالي، العملة الرسمية للدولة، ما يزال متداولاً بين المواطنين، لكنه في الواقع لم يُطبع رسمياً منذ انهيار مؤسسات الدولة المركزية عام 1991. ومنذ ذلك الحين أصبحت معظم الأوراق النقدية المتداولة في الأسواق مزيفة، بينما تحولت المعاملات الاقتصادية الكبرى إلى الدولار الأمريكي، وأصبحت المدفوعات اليومية تعتمد بشكل متزايد على خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول.
هذا الواقع يطرح سؤالاً ملحاً حول مستقبل العملة الوطنية في الصومال، وما إذا كان التحول إلى الشلن الرقمي قد أصبح خياراً عملياً بعد تعثر مشروع طباعة العملة.
تشير التقديرات الحكومية إلى أن إعادة طباعة الشلن الصومالي تتطلب نحو 70 مليون دولار، وهو مبلغ كبير بالنسبة لاقتصاد لا يزال في مرحلة إعادة البناء. وقد تمكنت الحكومة حتى الآن من تأمين نحو 30 مليون دولار من شركاء دوليين، ما يترك فجوة تمويلية تبلغ نحو 40 مليون دولار.
ومنذ عام 2018 تجري الحكومة مشاورات مع شركاء دوليين، من بينهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لإطلاق عملية الإصدار النقدي الجديد. غير أن المشروع، وحتى مارس 2026، لم يصل إلى مرحلة التنفيذ، ولم تُطبع أي أوراق نقدية جديدة.
ثماني سنوات من التخطيط، وثماني سنوات من جمع التمويل، وثماني سنوات من التنسيق السياسي. ومع ذلك، لا يزال المواطن الصومالي لا يحمل في جيبه أي إصدار جديد للعملة الوطنية.
إلى جانب التكلفة المرتفعة، يواجه مشروع طباعة العملة تحديات سياسية ولوجستية معقدة. فاستبدال ما يتراوح بين تريليون و1.5 تريليون شلن صومالي من الأوراق المزيفة المنتشرة في الأسواق يتطلب عملية ضخمة تشمل الطباعة والتوزيع وضمان قبول العملة الجديدة في جميع الولايات الفيدرالية.
كما أن الظروف الأمنية وضعف البنية التحتية في بعض المناطق يزيدان من صعوبة تنفيذ مثل هذه العملية على نطاق وطني.
في المقابل، يمتلك الصومال بنية تحتية رقمية متقدمة نسبياً مقارنة بعدد من الدول الإفريقية. فقد أصبحت خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 73 في المئة من السكان يستخدمون خدمات المال عبر الهاتف المحمول، وهي نسبة ارتفعت إلى ما يقرب من 89 في المئة في عام 2023.
وفي العاصمة مقديشو أصبح الدفع عبر الهاتف جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، حيث يدفع المواطنون ثمن المشتريات والإيجارات وحتى أجرة سيارات الأجرة عبر خدمة EVC Plus و E-Dahab ، و ZAAD وغيرها على هواتفهم المحمولة.
كما أطلق البنك المركزي الصومالي في عام 2025 نظام المدفوعات الفورية على مستوى البلاد (SIPS)، في خطوة تهدف إلى تعزيز البنية التحتية المالية الرقمية وربط البنوك والمحافظ الإلكترونية ضمن نظام مالي موحد.
وفي الوقت نفسه حصلت شركة هرمود للاتصالات على اعتماد جديد من جمعية GSMA العالمية للمرة الثانية، بينما بدأت البنوك والمحافظ الرقمية العمل تدريجياً ضمن نظام قابل للتكامل.




