«نادراً ما تُقاس الاتفاقيات الأمنية الكبرى بالدول التي تذكرها نصوصها، بل بالمناطق التي تنجح في إعادة تشكيلها.»بوابة إفريقيا يستحق البيان المشترك الصادر في مكة أن يُقرأ باعتباره أكثر من مجرد بيان دبلوماسي جديد. فمن الوهلة الأولى، يبدو أنه يكرّس تعاوناً دفاعياً أوثق بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وهي ثلاث دول تربطها منذ سنوات علاقات سياسية وعسكرية ودينية وثيقة. غير أن القراءة المتأنية تكشف عن لغة تحمل طموحاً استراتيجياً أوسع بكثير. فمن خلال التزام الدول الثلاث بمبدأ الردع الجماعي، وإعلانها أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الأعضاء سيُعد اعتداءً على الجميع، تكون الحكومات الثلاث قد وضعت إطاراً يتجاوز بكثير حدود التعاون العسكري التقليدي. ولا يزال من غير المؤكد، بل ومن المستبعد على الأقل في هذه المرحلة، أن يتطور هذا الإطار إلى تحالف رسمي مماثل لحلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، فإن الاتفاق يعكس حقيقة جيوسياسية مهمة تتمثل في أن القوى الإقليمية أصبحت تميل بصورة متزايدة إلى بناء ترتيباتها الأمنية الخاصة، بدلاً من الاعتماد الحصري على القوى الخارجية. وقد أصبح هذا التوجه أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، في ظل تغير أولويات الولايات المتحدة، واتساع النفوذ الصيني، وتجدد الحضور الروسي، واحتدام المنافسات الإقليمية، وهي جميعها عوامل دفعت دول المنطقة إلى إعادة النظر في الكيفية التي تحمي بها مصالحها الاستراتيجية. وتكتسب توقيتات هذا الاتفاق أهمية خاصة أيضاً. فالشرق الأوسط والقرن الإفريقي يشهدان تحولات متزامنة جعلت المنطقتين تندمجان تدريجياً في مسرح استراتيجي واحد. فالحرب في غزة لا تزال تعيد تشكيل الدبلوماسية الإقليمية، بينما أدى النزاع في السودان إلى زعزعة استقرار إحدى أكبر الدول المطلة على البحر الأحمر. ولا يزال اليمن يعيش حالة من الانقسام رغم المبادرات الدبلوماسية المتكررة، في حين كشفت الهجمات على السفن التجارية عن هشاشة أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وفي الوقت نفسه، عادت أعمال القرصنة للظهور في أجزاء من غرب المحيط الهندي، واشتدت المنافسة على الموانئ والقواعد البحرية وممرات الخدمات اللوجستية الممتدة من الخليج إلى شرق إفريقيا. وفي ظل هذه التطورات، لم يعد من الممكن تحليل أمن الشرق الأوسط بمعزل عن التطورات الجارية على الضفة الأخرى من البحر الأحمر. فقد تحولت المياه الفاصلة بين الجزيرة العربية وإفريقيا من خط يفصل بين إقليمين إلى جسر استراتيجي يربط مستقبلهما السياسي. ومن ثم، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة تضم قوى رئيسية على أحد جانبي البحر الأحمر ستترك، حتماً، آثاراً على الجانب الآخر. ولهذا السبب، لا ينبغي تفسير خلو إعلان مكة من أي إشارة مباشرة إلى القرن الإفريقي على أنه دليل على أن المنطقة ليست معنية به. فالبيانات الدبلوماسية كثيراً ما تضع المبادئ العامة، بينما تترك الأولويات الجغرافية مفتوحة عمداً. وغالباً ما يتجاوز التنفيذ العملي حدود النصوص الأصلية. ويزخر التاريخ بأمثلة عديدة لاتفاقيات دفاعية بدت في بدايتها محدودة النطاق، قبل أن تتطور لاحقاً إلى شراكات استراتيجية أوسع مع تغير الظروف السياسية. ومن المرجح أن يكون القرن الإفريقي من أكثر الأقاليم متابعةً لتطور هذا الاتفاق. فالصومال وجيبوتي واليمن وإريتريا والسودان تمتلك جميعها سواحل تُعد من بين الأكثر أهمية على المستوى الاستراتيجي، إذ تشرف على ممرات بحرية يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية والتجارة الدولية. ويضمن موقعها الجغرافي أن أي مساعٍ لتعزيز التعاون الأمني عبر البحر الأحمر ستتقاطع في نهاية المطاف مع مصالحها الوطنية. ويُجسد الصومال هذه المعادلة بصورة خاصة. فعلى خلاف كثير من الدول التي ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع دولة واحدة فقط من الدول الموقعة، نجح الصومال في بناء شراكات دفاعية مع الدول الثلاث جميعها. فقد أصبحت تركيا أحد أبرز شركاء مقديشو في مجالات التدريب العسكري، وبناء المؤسسات، والتعاون الدفاعي. كما تظل المملكة العربية السعودية شريكاً سياسياً واقتصادياً رئيسياً، مع تنامي اهتمامها بالأمن الإقليمي، بينما وسعت باكستان مؤخراً تعاونها العسكري مع الصومال عبر برامج التدريب واتفاق دفاع ثنائي. ورغم أن هذه العلاقات ما تزال ثنائية، فإن إطار مكة قد يفتح المجال أمام مستوى أعلى من التنسيق بينها. غير أن أهمية الاتفاق تتجاوز أي دولة بعينها. فهو يحمل في طياته إمكانية تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والصناعات الدفاعية، والتعليم العسكري، والاستجابة الإنسانية. وهذه هي المجالات ذاتها التي تتقاطع فيها مصالح الشرق الأوسط والقرن الإفريقي بصورة متزايدة. فمع تنامي التهديدات العابرة للحدود، باتت الحكومات تدرك أن إدارة الأمن لم تعد ممكنة ضمن الحدود الإقليمية التقليدية. وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ما يكشفه الاتفاق عن طبيعة القيادة الإقليمية. فعلى مدى عقود، اعتمدت المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط بدرجة كبيرة على القوى الخارجية. ورغم استمرار أهمية تلك العلاقات، فإن السنوات الأخيرة أظهرت استعداداً متزايداً لدى دول المنطقة لتحمل مسؤولية أكبر في صياغة بيئتها الاستراتيجية بنفسها. ويعكس اتفاق مكة هذا التوجه بوضوح. فبدلاً من انتظار المبادرات القادمة من الخارج، يبدو أن المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تسعى إلى بناء إطار يقوم على المصالح المشتركة، والملكية الإقليمية، والمسؤولية الجماعية. ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير طموحات الاتفاق. فهو لا ينشئ هياكل عسكرية متكاملة، ولا قيادة موحدة، ولا آليات دفاع مشترك مماثلة لتلك الموجودة في التحالفات العسكرية الراسخة. وسيتوقف الكثير على الإرادة السياسية، ومستوى التنسيق المؤسسي، والالتزامات المالية، واستعداد الحكومات الثلاث لتحويل اللغة الدبلوماسية إلى تعاون عملي على الأرض. فالتنفيذ، وليس الرمزية، هو الذي سيحدد ما إذا كان الاتفاق سيصبح محطة استرات...