يصعب الحديث عن تعافي الصومال دون التوقف عند التحول اللافت الذي تشهده العاصمة مقديشو، والذي بات ينعكس بوضوح على ملامحها العمرانية.
ففي أنحاء العاصمة كافة، تواصل المباني متعددة الطوابق الارتفاع، وتتوسع الأحياء السكنية الجديدة، وترتفع أسعار الأراضي، فيما تتدفق الاستثمارات الخاصة إلى قطاع العقارات بوتيرة كان من الصعب تصورها قبل عقد واحد فقط. ويرى كثيرون في هذه التطورات دليلاً ملموساً على أن مقديشو تمضي قدماً نحو مستقبل أفضل.
غير أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المدينة تنمو أم لا، فذلك أمر لا جدال فيه. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان هذا التوسع العمراني يمثل تنمية حضرية حقيقية، أم أنه مجرد نمو يتجاوز قدرة الأنظمة والمؤسسات اللازمة لضمان استدامته.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين النمو والتنمية.
فالمدن لا تصبح أكثر كفاءة وفاعلية لمجرد تشييد المزيد من المباني. فالتنمية الحضرية المستدامة تقوم على التخطيط السليم، والبنية التحتية المتكاملة، والأطر التنظيمية الواضحة، والمؤسسات القادرة على إدارة النمو وتوجيهه. ومن دون هذه المقومات، قد يخلق التوسع العمراني مشكلات جديدة بقدر ما يخلق فرصاً جديدة.
وفي مقديشو، يبدو أن البناء يسبق التخطيط في كثير من الأحيان. فالمباني تُشيد قبل استكمال تطوير الطرق بالشكل المناسب، وتظهر الأحياء الجديدة قبل توفير شبكات المياه والصرف الصحي والنقل والكهرباء القادرة على خدمتها. وبدلاً من أن تقود البنية التحتية عملية التوسع العمراني، نجد أن التوسع غالباً ما يتقدم عليها ويتركها تحاول اللحاق به.
وأصبحت نتائج هذا الخلل أكثر وضوحاً مع مرور الوقت.
فقطاع الكهرباء ما يزال موزعاً بين عدد من الشركات الخاصة، دون وجود شبكة موحدة وشاملة. كما يعتمد الحصول على المياه بدرجة كبيرة على أنظمة محلية محدودة النطاق، بينما لا تزال شبكات الصرف الصحي تغطي أجزاء محدودة من المدينة. وفي الوقت ذاته، يزداد الازدحام المروري تعقيداً مع توسع المناطق السكنية والتجارية بوتيرة تفوق قدرة شبكات النقل الحالية على استيعابها.
ولا تقتصر هذه التحديات على مقديشو وحدها. فمدن صومالية أخرى تشهد أنماطاً مشابهة، حيث تقود الاستثمارات الخاصة حركة البناء، بينما تكافح مؤسسات التخطيط العام لمواكبة هذا التوسع. وينتج عن ذلك نموذج تنموي يوفر مظاهر نمو واضحة للعيان، لكنه يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأسس المؤسسية التي تضمن استدامته وفاعليته على المدى الطويل.

